من نبع السلام إلى مخلب السيف .. ما الذي اختلف ؟
بقلم/ د. محمد بكر..
بعد أيام على إطلاق ما أسمته أنقرة، عملية جوية واسعة النطاق، استهدفت مواقع للكرد شمالي العراق وسورية، تحت مسمى “مخلب السيف”، رداً على تفجير منطقة تقسيم، بدأ الجيش التركي كما نقلت العديد من وسائل الإعلام، بقصف مواقع لـ”قسد” بريف حلب الشمالي، تنفيذاً لتهديدات أردوغان بشن عملية برية، سرعان ما قادت ذاكرتنا إلى عملية “نبع السلام” التي شن فيها الجيش التركي ضربات مماثلة قبل ثلاث سنوات، فهل نحن أمام سيناريو مشابه ؟ وهل يكون التوغل التركي مؤقتاً إلى حين التفاعل الروسي الأمريكي مع “الاندفاعة” التركية؟.
منذ اليوم الأول على تفجير تقسيم، كانت ملامح ما بعد التفجير، واضحة وأقرب إلى كون التفجير وبعيداً من صحة الرواية الرسمية التركية من عدمها، مبرراً صارخاً لما يقوم به الجيش التركي هذه الأيام في الشمال السوري، وفي ذروة التصعيد والخطاب السياسي التركي عالي السقف، كان أردوغان وكما العادة يوجه رسائله للأمريكي والروسي معاً، متهماً الأول بإرسال الأسلحة للكرد منذ عهد أوباما، والثاني أي الروسي بعدم الالتزام بالاتفاقات بينهما، هنا يمكن البناء على جزئية أن أنقرة تريد من الجانبين الأمريكي والروسي تفاعلاً أكبر مع الحدث، لجهة أن تطبق الولايات المتحدة ما كان قد تحدث عنه ترامب فيما يتعلق بالانسحاب الأمريكي من الشمال، وترك المنطقة والملف “ليهتم به الآخرون” بحسب التوصيف الحرفي لترامب، وكذلك يريد من الروسي أن تكون محادثاته أقوى مع “قسد” بالمقارنة مع عملية نبع السلام لجهة تلبية المتطلبات الأمنية التركية، وأن تكون موسكو الضامنة الفاعلة والوحيدة القادرة على تنفيذ ذلك بمنطق المتفرد الأقوى في تفصيل المشهد برمته، لكن ذلك لم يحدث على الإطلاق، فلا بايدن طبق رؤية ترامب بالانسحاب، ولا الروسي استلم الملف، بل على العكس جاءت الحرب على أوكرانيا لتزيد الطين بلة، ولتحد من التفرد الروسي نتيجة انشغاله بحرب أقل ما يمكن أن تُوصف بالمعقدة والطويلة.
العملية العسكرية التركية كانت مقررة من قبل الجانب التركي قبل هذا الشهر بكثير، لكن قمة طهران الأخيرة وجملة التفاهمات الروسية الإيرانية التركية هي من أجلت الغارات التركية أشهر عدة، وعلى خلفية انعدام أي أفق لنهاية الحرب في أوكرانيا، والمشكلات التي تفجرت في الداخل الإيراني وتفاعلت مع موت الشابة مهسا أميني، وكذلك الانشغال الأمريكي بالانتخابات النصفية، كلها كانت عوامل ساهمت في استيلاد الجديد التركي بعد تفجير تقسيم.
اللافت هذه المرة في شكل ومضمون الغارات التركية والقصف على مواقع في الشمال السوري، هو يمكن قراءته من خلال نقطتين مهمتين:
– بالتزامن مع الغارات التركية، يتم تسريب معلومات مصدرها موسكو لجهة إمكانية ترتيب لقاء بين الأسد واردوغان، في وقت يدفع أردوغان باتجاه تكرار سيناريو عملية نبع السلام، عندما أعلنت أنقرة بأنها لا تمانع من انتشار الجيش السوري في المنطقة، بعد الإعلان عن الاتفاق الأمريكي التركي وإعلان مايك بنس انتهاء العمليات العسكرية التركية.
– تعليق أردوغان على الغارات في خطابه الأخير، لجهة أن الهدف هو القضاء على الإرهابيين بشكل نهائي كمال قال، الأمر الذي يشير إلى أن مطالب أردوغان هذه المرة لن تبقى ربما عند حدود انسحاب قسد لمسافة 30 كم.
الأيام المقبلة ستشهد تصعيداً كبيراً في الشمال السوري، لن تكون فيه النهايات كما كانت الخواتيم قبل ثلاث سنوات، وإنما ترسمها طبيعة السلوك الأمريكي والروسي وشكل التعامل مع مطالب أردوغان، الذي لن يطول الوقت كثيراً حتى نراه ملبياً لدعوة باتت قريبة من الرئيس بايدن.



