مشروع “داري” الوهمي وأزمة السكن

بقلم/ حيدر الموسوي..
توفي صديقي الذي خدم لأكثر من ٢٢ سنة في الدولة العراقية، وكان يتنقل من منطقة لأخرى، ومن بيت ايجار سيئ لآخر أسوأ منه، وغادر الدنيا ولم يتمكن من تأمين وحدة سكنية متواضعة لأسرته، لأنه موظف شريف ونزيه ولم يسرق فلساً واحداً..
تذكرت عندما كنت صحفياً أعمل في احدى الصحف المكتوبة ما بعد التغيير، وانا من بين الحاضرين لأول مؤتمر عقد في وزارة الاعمار والإسكان، وكان حينها السيد باقر صولاغ الزبيدي وزيراً لها في زمن سلطة الائتلاف المدني الحاكم بول بريمر، وكان يجلس قربه المستشار الامريكي وهم يناقشون أزمة السكن والحلول، حينها تحدث الوكيل الاقدم للوزارة وهو كان يشغل منصباً في زمن النظام السابق بان العراق بحاجة الى ٣ مليون ونصف مليون وحدة سكنية لحل هذه الأزمة، وتوزيع قطع الأراضي ليس بحل أبدا لأنها حلول ترقيعية كون المدن البعيدة عن مركز المحافظة هي المتبقية وهذه تحتاج الى بنى تحتية وخدمات وتخصيصات مالية كبيرة فضلا عن عدم قدرة الأسر الهشة على كلفة البناء، وتم فيما بعد ذلك انشاء صندوق الاعمار والاسكان للقروض والتي لن تشكل إلا نسبة ضئيلة من الحل.
اليوم تتحدث وزارة التخطيط في آخر مسح لها وبعض الجهات الأخرى، أن العراق مستمر بالزيادة السكانية والانشطار وحاجة السكن أضحت شغل الشاغل لدى فئات اجتماعية تقدر بأكثر من ٣ ملايين أسرة بلا سكن وبرغم كل المحاولات لحل هذه المشكلة في ظل ارتفاع أسعار العقارات بشكل جنوني خاصة فيما يعرف بالمجمعات السكنية العامودية التي تتراوح أسعار الشقق فيها بين ٢٥٠ ألف دولار الى ٣٥٠ ألف دولار وهذه يقينا لا يتمكن من شرائها ذوي الدخول المتوسطة والأسر الفقيرة حتى في الحلم إلا عندما يقوم الموظف بسرقة ونهب المال العام، الوعود الحكومية كانت كثيرة وآخرها على ما اتذكر ان العبادي تحدث وقتها عن توزيع شقق سكنية بالتقسيط المريح.
أما خلفه عبد المهدي فأنشأ هو الآخر نافذة لتوزيع قطع الأراضي، فيما اتحفنا الكاظمي بمشروع داري الذي تبين انه وهمي ونسب الفساد فيه كبيرة جداً من دون حلول حقيقية، لذا عمد الكثير من العراقيين وخاصة فئة المتقاعدين من الذين لا يملكون سكنا الى شراء وحدات سكنية خارج الحدود وخاصة تركيا للخلاص من جحيم الايجار وغلاء المعيشة، أما الأسر الهشة والفقيرة فلم يعد أمامها سوى العشوائيات والأراضي الزراعية حتى حوّلت بغداد الى مدينة عشوائية ومقسمة ومن دون مساحات زراعية كما كانت تحدها من أطرافها في السابق. أزمة السكن تهدد حتى اخلاق ونمطية المجتمع، اضافة الى العزوف عن الزواج وزيادة نسبة العنوسة.



