«حياة مُتخيَّلة» ..جمالية السرد المسكون بالذات

المراقب العراقي/ متابعة…
تتحدد إحدى أهم تحديات الكتابة السردية بالقدرة على توليد الصيغة، أو بمعنى آخر البحث عن النمط الآخر، أو المغاير، وعلى الرغم من أن الإنسان كائن قصصي أو سردي، انطلاقاً من أن الحياة عبارة عن مروية مستمرة، غير أن تفعيل السردية ينتج عن وعي المنظور، بمعنى أن تتخذ الكتابة الاشتراطات الكاملة لتحقيق النموذج الحكائي، الذي يبقى أحد أبرز التحديات التي تواجه الروائيين، فثمة إخفاقات واضحة على هذا المستوى، وبالتحديد ابتكار العالم السردي، وما ينطوي عليه من رؤى، ولعل هذا ما يفسر أن الروايات التي تكمن في الذاكرة تعد محدودة، ومنها رواية ديفيد معلوف «حياة متخيلة» التي تتميز برؤيتها، ونسقها السردي.
يبقى التاريخ أحد أهم مستودعات الأفكار لتشكيل النموذج السردي، لكن الرؤية والمعالجة تبقى رهينة وعي الروائي، الذي لا يمكن أن يجعل من الرواية أفقاً متخيلاً لواقعة تاريخية تؤطر بتصورات أو دلالات، دون أن تعتمد المنظور الإشكالي، وهكذا يتحول التاريخ من راهنية الجمود والسكون إلى نموذج حيوي قادر على أن يعيد تموضعه في الوعي السردي.
تنهض الرواية على مركزية حدث نفي الشاعر الروماني «أوفيد» (43 ق.م – 17.م ) لمواقفه السياسية، غير أن الرواية تعتمد نمطاً سردياً متفرداً في خصائصها السردية، فهي تعتمد جمالية السرد المسكون بالذات، التي تتوسط الرؤية، ولا نعني حسب التوصيفات المتصلة بالنماذج البنائية، إنما على مستوى الاتصال بالذات والمكان والزمن، وربما هذا ما يجعل من إيقاع الرواية بطيئاً بعض الشيء فضلاً عن هيمنة لغة شعرية يبررها ما يكمن في الرواية من حكاية تتعلق بشاعر يجد نفسه قائماً بين قوم آخرين على أطراف العالم، الذي تنأى به المسافات، فلا يجد سوى ذاكرتين واحدة تعلق بالماضي، وأخرى طارئة تتشكل في المكان الجديد. يُعاد توصيف المنفى ومساءلته من جديد، فالمنفى لا يعني التغاير المكاني والزماني، كما مواجهة ذوات أخرى حسب، إنما يعني الاغتراب عن الذات تبعاً للماضي والحاضر، وهكذا يبدو المنفى جزءاً من قدر التأمل لإعادة تكوين الذات، وتعريفها على ضوء التجربة الجديدة.
قد يبدو النفي للتخوم أو لأطراف المعمور نوعاً من العقاب، بيد أن ثمة عوامل جديدة تتشكل في التعامل مع المكان المسكون بروح جديدة. إنه عالم بدائي بعيد عن العُمران، وقيم الحضارة، وهذا ما يجعله في البداية أمراً مرفوضاً، غير أن الطبيعة تطغى على تكوين مفردات الدلالات السردية، فهي لا تحتكم إلى ما يكمن في المتخيل أو المسبق، إنما هي تبدأ بتقويض تصوراتنا عن ذلك فينخرط أوفيد -في منافيه – بقراءة علاقته الخاصة مع المكان، يتنزل عن لغته، لكن ذاكرته تبقى مسكونة بالماضي الذي يحضر بالتقابل مع حاضره هنا.



