التجربة السياسية العراقية بعد سقوط النظام البعثي بين الفشل والنجاح

بقلم / قاسم سلمان العبودي..
تُعد التجربة السياسية العراقية بعد سقوط النظام السابق عام 2003، تجربة قاسية جداً على أبناء الشعب العراقي، الذي فُرض عليه التغيير خارجياً. أن الديمقراطية التي جاءت مع المحتل الأمريكي، عقب النظام البعثي القمعي، أربكت البنى الاجتماعية التي تعوّد المواطن عليها في ظل نظام شمولي لا يعترف بالحدود الدنيا لحق المواطنة. لذا كانت الطبقة السياسية التي رافقت المحتل بإسقاط النظام، ومن ثم التأسيس لدولة عراقية جديدة، أصطدم مع كثير من العقبات وكان أولها التدخل الإقليمي العربي الذي لم يَرق لهُ نجاح التجربة العراقية في بناء دولة على وفق أسس ديمقراطية سليمة.
لذلك دفع أبناء الشعب العراقي أنهاراً من الدماء من أجل تجربة سياسية فرضت عليهم بقوة السلاح. فقد هدم المحتل الأمريكي الدولة بكل مرتكزاتها لأجل أجندة عمل عليها بدقة كبيرة.
ابتدأت العملية السياسية العراقية على وفق أُطر نجاح واضح والدليل على ذلك، كتابة الدستور، والنهوض بالاقتصاد، فضلاً عن التداول السلمي للسلطة حتى انتهاء ولاية رئيس الوزراء حيدر العبادي.
لكن تم افشال التجربة السياسية العراقية من خلال بعض الأطراف الداخلية المرتبطة بالخارج، وخصوصا المحور الخليجي الذي لم يَرق له نجاح العراق من خلال المنظومة الديمقراطية الفتية، التي كشفت عوراتهم بالهيمنة على السلطة وجعلها ممالك عائلية بحماية أجنبية.
غياب القائد المحنك، وضياع البوصلة السياسية، فضلاً عن المحاصصة المقيتة، وتدخل المحتل الأمريكي في كل شاردة وواردة، كلها أدوات ساهمت بإفشال العملية السياسية في العراق. المغانم الكبيرة والاستحواذ على المال العام في ظل غياب للأجهزة الرقابية هو الآخر (جرّأ) بعض القوى السياسية بالتجاوز الكبير على الدستور الذي غابت مددهِ الدستورية تحت مسميات مختلفة.
كثير من القوى السياسية الشيعية مازالت تستشعر خندق المعارضة الذي زال بزوال النظام البعثي، ولم ترتقِ الى مستوى رجال دولة وهذا انعكس سلباً على أدائهم السياسي في أدارة الأزمات التي حاقت بالعملية السياسية بل أوصلتها الى الاختناق. الأخوة الكرد يعملون على بناء دولة قادمة بكثير من المشاكسات السياسية، والأخوة السنة يحاولون ارجاع فردوسهم المفقود، عبر تحالفات أقل ما فيها أنها شقت البيت الشيعي الى نصفين، واستضعفتهم.
اليوم مازالت هناك فسحة زمن من الممكن أن تتخذ القوى السياسية من خلاله مجموعة قرارات ربما تعيد العملية السياسية الى جادة الطريق والنجاح، برغم الثمن الباهظ الذي ستقدمهُ في مسار التصحيح. إعادة الثقة بين الشعب العراقي وبين قادته يجب أن تكون بالمقام الأول، عبر تقديم الخدمات والأمن، والنهوض الشامل بالاقتصاد الذي يقف على حافة الانهيار، ورفع الحيف والغبن، وإزالة الفوارق الطبقية التي جاءت من تهميش قطاعات كبيرة من الشعب بسبب القرارات الاقتصادية غير المدروسة، والتي أصبحت مشاكل اجتماعية كبيرة.



