بعد سوريا وليبيا .. ماذا سيفعل إردوغان مع اليونان ؟

بقلم/ حسني محلي ..
مع استبعاد أية مواجهة مسلحة بين اليونان وتركيا، في ظل دعم الاتحاد الأوروبي لأثينا ونيقوسيا، يعرف الجميع أن إردوغان وميجوتاكيس بحاجة إلى المزيد من التوتر مع اقتراب موعد الانتخابات في البلدين.
العداء التاريخي التقليدي بين الأتراك واليونانيين يرجع تاريخه إلى زمن أرطغرل ثم فتح القسطنطينية، بعد أن تراجع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عن تهديده باجتياح الشمال السوري الذي أطلقه في أيار الماضي، كان من الضروري عليه أن يجد مكاناً آخر يشحن من خلاله مشاعر أتباعه وأنصاره القومية والدينية والتاريخية، وخصوصاً أن اليونان هي العدو التقليدي للغالبية العظمى من الأتراك.
يعرف الجميع، أن لا أحد يستطيع أن يعترض بسهولة على أي قرار تتخذه الحكومة ضد اليونان، كما لم يعترض أحد على العمل العسكري التركي في قبرص صيف عام 1974. وكان هذا التدخّل، ومن قبله التوتر الذي شهدته الجزيرة بدءاً من عام 1963، كافياً لتحريك المياه الهادئة بين تركيا واليونان في بحر إيجة، لتصل الأمور إلى ما وصلت إليه أو ما قد تصل إليه مستقبلاً، فقد اتهمت أنقرة الأسبوع الماضي، أثينا باستفزاز طائراتها العسكرية المشاركة في مناورات أطلسية فوق بحر إيجة، وناشدت قيادة الحلف التدخل ومنع تكرار مثل هذه الاستفزازات التي قالت إنها سترد عليها.
ولم يكن رد فعل أنقرة هذا هو الأول ضد تصرّفات أثينا التي اتهمها المسؤولون الأتراك، غير مرة، بتسليح الجزر القريبة من السواحل التركية في بحر إيجة، في الوقت الذي اتهمت فيه أحزاب المعارضة الرئيس إردوغان بإطلاق التهديدات فقط من دون القيام بأي عمل عسكري أو دبلوماسي لمنع اليونان من سياساتها الاستفزازية، إقليمياً ودولياً. فقد وقعت أثينا، ومعها قبرص، التي يمثلها القبارصة اليونانيون، عدداً من اتفاقيات التعاون السياسي والعسكري مع مصر والإمارات و”إسرائيل” والسعودية (كانت هذه الدول على عداء مع إردوغان) وفرنسا، وذلك رداً على اتفاقية ترسيم الحدود التي وقّعها إردوغان مع حكومة السراج في ليبيا في 27 تشرين الثاني عام 2019، وهو ما جعل تركيا الطرف الأقوى في الأزمة الليبية، ومازالت كذلك.
وردّت أثينا على هذه الاتفاقية باتفاقيات مماثلة مع مصر وإيطاليا، كما وقّعت اتفاقيات تعاون عسكري مع فرنسا وأمريكا التي زارها رئيس مجلس الوزراء مجلس الوزراء ميجوتاكيس في أيار الماضي، وصفق له أعضاء الكونغرس وقوفاً أكثر من 30 مرة، خصوصاً عندما هاجم سياسات إردوغان في قبرص وبحر إيجة والمنطقة عموماً.
وكان الموقف الأمريكي هذا كافياً بالنسبة إلى اليونان لتستمر على مواقفها المعادية لتركيا مع استمرار الأمريكيين في إنشاء قواعد عسكرية لهم على بعد 40 كيلومتراً من الحدود اليونانية مع تركيا، ويعد الأتراك ذلك عملاً استفزازياً ضدهم، ناسين أن لأمريكا والحلف الأطلسي ما لا يقل عن 40 قاعدة ورادارات ومحطات تنصت في مختلف أنحاء تركيا، بما فيها قاعدة إنجرليك التي تضم 50 قنبلة نووية، فيما ترى أمريكا وحلفاؤها في أوروبا في اليونان، مهداً لثقافاتها التاريخية، ودفعها ذلك إلى الانحياز دائماً إلى جانب أثينا ونيقوسيا اللتين دخلتا الاتحاد الأوروبي، فيما ينتظر الأتراك على أبوابه منذ ستين عاماً، فواشنطن التي تجاهلت التدخل العسكري التركي في قبرص صيف عام 1974 استغلته لاحقاً في مساومتها أثينا وأنقرة (وهو ما تفعله منذ 48 عاماً) لم تسمح بعد ذلك التاريخ لأحد بالاعتراف بجمهورية شمال قبرص التركية التي تسيطر على 36% من مساحة الجزيرة، في الوقت الذي تحتفظ بريطانيا بقاعدتين مهمتين في مستعمرتها السابقة.
وتتذرّع أثينا بالوجود التركي، وتقول إنه أخل بموازين القوى العسكرية شرقي الأبيض المتوسط المجاور لبحر إيجة. وقد دفعها ذلك إلى تسليح جزرها في البحر المذكور خلافاً لاتفاقيات آوشي عام 1912 ولوزان عام 1923 وباريس 1947 التي اعترفت بملكية اليونان على الجزر القريبة من الشواطئ التركية، وعددها معاً 21 جزيرة (لليونان نحو ألفين من الجزر والجزيرات والصخرات في إيجة والأبيض المتوسط)، وهي السبب في التوتر الأخير.
وكانت هذه الجزر، ويبعد بعضها عن الساحل التركي نحو 3 أو 4 أميال فقط، سبباً لتوترات مماثلة في السنوات الماضية بسبب قرار اليونان الأحادي توسيع مياهها الإقليمية من 3 إلى 6 أميال، ثم إلى 12 ميلاً في بحر إيجة، وهو ما يجعل البحر المذكور بحيرة يونانية، ليبقى منها نحو 10% فقط لتركيا، وهو ما ترفضه أنقرة جملةً وتفصيلاً، ليس بسبب المياه وما تحتها من ثروات طبيعية وحسب، بل بسبب اعتراض اليونان على مرور الطائرات التركية، العسكرية منها والمدنية، بالمجال الجوي للجزر، وهو امتداد لمياهها الإقليمية وجرفها القاري.
العداء التاريخي التقليدي بين الأتراك واليونانيين يرجع تاريخه إلى زمن أرطغرل الذي جاء إلى الأناضول عام 1071، ثم فتح القسطنطينية عام 1453. ويبدو واضحاً أن الأمر سيكتسب طابعاً مثيراً مع احتمالات استمرار الأزمة الأوكرانية وتناقضات الموقف التركي إقليمياً ودولياً. فواشنطن التي لا تخفي قلقها من احتمال مزيد من التقارب التركي الروسي، تولي علاقاتها باليونان وقبرص مزيداً من الأهمية، أولاً لأنهما ذواتا مذهب أرثودوكسي واحد (وتعاديان الكنيسة الأرثوذكسية الروسية)، وثانياً لموقعهما الجغرافي، حيث تسيطر جزر اليونان على مداخل مضيقي الدردنيل والبوسفور (تحت سيطرة تركيا) المهمين جداً للسفن الروسية، وهي في طريقها إلى البحر الأبيض المتوسط وعبر البحر الأسود حيث الوجود العسكري الأمريكي في رومانيا وبلغاريا.
ومن دون أن تهمل واشنطن مقولات الرئيس إردوغان القومية والدينية والتاريخية وحساباته الإقليمية والدولية التي تحمل في طياتها طابعاً توسعياً من وجهة نظرها، وهي ترى في هذا الطابع خطراً على مشاريعها ومخططاتها إن أخفقت في احتوائه تماماً، كما هي الحال في سوريا وليبيا والعراق والصومال والبلقان وآسيا الوسطى.
وفي جميع الحالات، ومع استبعاد أية مواجهة مسلحة بين اليونان وتركيا، العضوين في الحلف الأطلسي، مع دعم الاتحاد الأوروبي لكل من أثينا ونيقوسيا، الجميع يعرف أن إردوغان وميجوتاكيس بحاجة إلى مزيد من التوتر مع اقتراب موعد الانتخابات في كلا البلدين (تركيا في أيار واليونان في تموز).
فالرئيس إردوغان الذي قد يجد البدائل لمثل هذا التوتر في سوريا وليبيا والعراق، بل في قبرص، لشحن الشعور القومي والديني والتاريخي والطائفي، كذلك سيضع أيضاً علاقاته المستقبلية مع واشنطن بالاعتبار قبل أن يلقي أية خطوة عملية على طريق مزيد من التوتر مع أثينا. هذا بالطبع إن لم تستمر اليونان في سياسات التصعيد، ما دامت تحظى بدعم العواصم الغربية “المسيحية” التي يهدّدها ويتوعدها إردوغان لأي سبب كان، والأهم دعمها حزب العمال الكردستاني وذراعه السورية، وحدات حماية الشعب.
وتستمر كذلك العواصم المذكورة في تضامنها غير المباشر مع حليف إردوغان السابق وعدوه اللدود الحالي الداعية فتح الله غولن المتهم بمحاولة الانقلاب الفاشل في تموز عام 2016. ومن دون أن تهمل بعض الأوساط الغربية أحاديثها عن ضرورة إحياء اتفاقية سيفر عام 1920، التي كانت تهدف إلى إقامة دولة كردية على أنقاض الدولة العثمانية، التي هزمت في الحرب العالمية الأولى، فجاءت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان واحتلت الأناضول، فنسي الأتراك الدول الثلاث، إلا أنهم لا ينسون اليونان، كما لا ينسى اليونانيون عاصمتهم الدينية الأرثوذكسية، أي القسطنطينية، التي تخلص إردوغان من إرثها الأخير عندما جعل في 14 تموز 2020 من آيا صوفيا جامعاً وصلّى فيه، بعد أن كان الكنيسة الأم للإمبراطورية البيزنطية ما لا يقل عن 900 عام.
ويبدو أن اليونانيين مازالوا يتذكرونها ولا يريدون أن ينسوا أمجادها، كما لا ينسى الإسلاميون من أتباع إردوغان غضبهم، إن لم نقل حقدهم، على أتاتورك، الذي جعل من هذا المكان متحفاً عام 1936، وهو العام الذي وقعت فيه اتفاقية مونترو التي اعترفت لتركيا بالملكية على مضيقي البوسفور والدردنيل اللذين تنتشر على مدخلهما عشرات الجزر اليونانية في بحر إيجة حديث اليوم



