قمة طهران..حضرت سوريا فيها بكل كيانها

بقلم/عبير بسّام..
أَنْ تُختَمَ فعاليات قمة طهران متزامنة مع وصول وزير الخارجية السوري فيصل المقداد إلى العاصمة الايرانية، فهذا كلام له معناه الكبير في عالم السياسة. اذ لم تكن هناك قمة تجمع كلا من الحليفين الروسي والإيراني على مستوى الرئاسات، وأن تستدعي الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إليها دون أن تكون سوريا حاضرة فيها بالروح، وألّا يكون موضوع النقاش الأساسي إنهاء الإحتلالين التركي والأميركي فيها. لأن القمم التي جمعت الدول الثلاث منذ الحرب على سوريا، والتي ابتدأ إرساء قواعدها في سوتشي الروسية في شباط/ فبراير 2019، لتنتقل إلى أستانة في كازاخستان. وبعد انتهاء مسلسل أستانة بحلقاته الـ 18 المتتالية، كتب نهاية موت بطله في قمة طهران.
وللتفصيل، فبطل مسلسل أستانة هو منطقة خفض التصعيد، التي أعلن موتها رسمياً بعد ختام القمة ، لنبدأ فصلاً جديداً من حكاية إدلب. اعلان الموت لم يأت مفاجئاً في الحقيقة فمن يتابع الأحداث يمكنه أن يقرأ أن المنطقة تتجه نحو إنهاء الأزمة في سوريا، والتي كان يجب أن تغلق فصولها منذ العام 2018 لولا إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، أن أمريكا في سوريا من أجل النفط. ومنذ أكثر من شهرين تشهد منطقة الحسكة والقامشلي تحركات لقطعات عسكرية في منطقة شرق الجزيرة السورية. وقد دأب الغرب والإعلام، خلال المسلسل الأميركي ـ التركي الطويل، على إطلاق تعبير شرق الفرات عليها، وكأنها تجهز من أجل قص المنطقة لصالح مجموعة من الميليشيات الإنفصالية. إذ كان هناك دأب غربي لاقتطاع منطقة شرق وشمال الجزيرة لصالح دولة كردية مارقة فيها. ودأب تركي لإيجاد منطقة عازلة تفصلها عنها.
وهنا يحضر كلام أبو فراس الحمداني بكل ما فيه من جرأة وقوة: السيف أصدق إِنباءً من الكتب… وهذا ما حدث عندما ابتدأ الجيش السوري بحشد قواته في المنطقة.
الموقف الرسمي السوري، عبر عنه الرئيس السوري بشار الأسد خلال زيارته إيران ولقائه مع مرشد الثورة في إيران الإمام السيد علي الخامنئي، في شهر أيار/ مايو الماضي. ومن ثم أعاد التأكيد بأن سوريا لن تقف مكتوفة الأيدي وستحارب الجيش التركي في حال توجهه للقيام بعمليات داخل الأراضي االسورية، وذلك خلال مقابلة على قناة روسيا اليوم في 9 حزيران/يونيو الماضي. إذن الموقف السوري الرسمي كان واضحاً تماماً. هل استطاع السوري بذلك استغلال اللحظة الدولية لصالحه؟ بالتأكيد نعم، ولذلك جاءت القمة بعد ان نضجت جميع المعطيات على الساحة الدولية، وانتظرت قدوم بايدن لتعلن نتائجها بعد مغادرته المنطقة جاراً ذيول الخيبة وراءه.
اللحظة الدولية المناسبة، التي توضح فيها ما يلي:
1ـ موقف منطقة الخليج السلبي، الذي تبلغه الرئيس الأميركي جو بايدن، لصالح الدخول في حرب مع إيران لمصلحة أمن “اسرائيل“.
2ـ بدأ انهيار اليورو أمام الدولار، والدولار أمام الروبل، وتصاعد أزمة النفط والغاز في أوروبا خاصة والعالم عامة.
3ـ معارضة الحرب التركية في سوريا، ولأسباب مختلفة، ففي حين يصر الحليفان الروسي والإيراني على الوقوف إلى جانب سوريا في مطالبتها بخروج القوات المحتلة حتى آخر شبر من أرضها، يرى الأميركي أن بقاء التركي فيه منافسة في غاز شرق المتوسط وفي السيطرة على منطقة شرق المتوسط. بالمختصر، لن تقبل لا القوى الصاعدة ولا حتى القوى الهابطة بتوسيع رقعة نفوذ تركيا ابتداءً من داخل الأراضي السورية.
وبالتالي قرر الحليفان الروسي والإيراني إيجاد نوع من الحلول مع تركيا يختلف تماماً عن سياسة فرض العقوبات التي انتهجتها معها القيادات الأميركية لأكثر من مرة، وآخرها بعد شراء صفقة أس 400 من روسيا. وجاء الحل من خلال توسيع دائرة حلقة التبادل التجاري بين إيران وتركيا ليصل إلى حدود 30 مليار دولار بحلول العالم 2025، بحسب ما أمل به أردوغان من توقيع اتفاقيات التعاون المشتركة مع إيران.
أما على الصعيد الروسي، فقد وقعت في تركيا اتفاقية لتصدير الحبوب من أوكرانيا عبر تركيا بحضور الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيرش، أي برعاية أممية، وحضور وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، والذي سيضمن رقابة روسيا بعدم تمرير السلاح عبر القمح إلى اوكرانيا. وقعت الإتفاقية بعد أن وافقت الدول الغربية برفع الحظر عن الحبوب والقمح الروسي، والذي سيوقع نفس اتفاقية التصدير عبر تركيا إلى العالم ورفع قيمة التبادل التجاري بينهما لتصل إلى 40 مليار دولار. وبهذه الطريقة تسن سياسة الرابح ـ رابح في العالم.
بالعودة إلى القمة والحضور السوري فيها، فقد توج بتوجه وزير الخارجية السوري فيصل المقداد إلى طهران، وحديث المقداد خلال المؤتمر الصحفي عن الدور الذي لعبته إيران في المحادثات، وعن أهمية سوريا ودورها في المنطقة، ورفضه تماماً فكرة إيجاد “مناطق آمنة”. وأن سوريا ضد أي تدخل تركي وضد سياسة التتريك وبناء المستوطنات التي ابتدأتها في أطراف إدلب، وأن الحل يكون بخروج القوات المحتلة. وبالتأكيد لم تكن تصريحات الوزير المقداد أقل شأناً بما يتعلق بالإحتلال الأميركي ومقاومته وبشأن الجماعات الإنفصالية في منطقة شرق الجزيرة السورية. واستعادة تصريحات الوزير المقداد ليست من أجل إعادة التذكير فقط، ولكنها من أجل التأكيد على ثبات الموقف السوري الذي لم يتغير قيد أنملة منذ ان ابتدأت الحرب الكونية على سوريا في العام 2011. فهل نشهد جلاء الإحتلالات بعد قمة طهران؟



