ثقافية

“نهر الرمان”.. تجربة موت شوقي كريم حسن “الغرائبية”

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

ترى الكاتبة ولام العطار، إن رواية “نهر الرمان” يمكن تسميتها تجربة موت شوقي كريم حسن “الغرائبية” وهو المهووس بالحياة والحب والطيبة.

وقالت العطار في قراءة نقدية خصت بها “المراقب العراقي”: عند أول خطوات الموت، كنت أبصره، يتأمل بغموض لم أعتده من قبل، كل ما كان يحيط به، وكأنه يشير الى لحظة وداع قد لا تعود به الى المكان نفسه، غرفة الانتظار والوجوه التي تبصره، محاولة الامساك بقلق محنته، وفيوض الاسئلة المتلاحقة، التي اشعلت القلب الموجوع، بخيارات كثيرة للتفكير في الماذيات، لم أعتده طوال ربع قرن من ان أراه صامتاً، فوضاه المحلّقة، ملاحقاته الباذخة لطائر الأمل، هما سر تميّزه وابداعه أيضاً.

وأضافت: لم أرَ شوقي كريم حسن، دون فكرة قصة أو مشروع رواية، أو كتاب يتعجل قراءته، ليحط مع الكثير من الغربة عند مدينة بعيدة وكاتب يألفه ويعرف عنه كل ما يريد معرفته، محنته أوقفت خطى الأمل قليلاً، لكنه كان يضحك، يشتم،  يرقص، يفور مثل تنور، يتوسل بأن يكتب، لكن سكاكين الممنوعات كانت تراقبه، فما كان منه إلا ان يهرب مثل عصفور ليقف عند النافذة مراقباً الفضاء النيساني المليء بالغيوم، بماذا عساه يفكر ؟!! السؤال صعب اطلاقة في وقت يمر سريعاً باتجاه الصباح، لكن الكشف كان صاخباً شد الجميع إليه، من منكم يتصور وأنتم اصحاب المخيلات الجامحة كيف يكون موتي؟! لا أحد يجيب، البعض كان يرتجف هلعاً، البعض فر مسرعاً خارج إطار اللوحة لأنه لا يود قراءة ما يشده الى الغيب.. عند وهج شفيف أغمض شوقي كريم عينيه ونام، نام عميقاً متجاوزاً كل ما يشدّه الى اللحظات الآتية.

وتابعت: جيء به بعد رحلة موته التي استمرت ثلاثة أيام بلياليها، وبضع سويعات.. الارباك والانتظار معاني حياتنا الوحيدة، كلنا يسأل دون اجابات.. كيف كان موت شوقي كريم المهووس بالحياة والحب والطيبة، شاب وجهه الاصفرار.. عودة متعثرة اخافت حتى طبيبه المختص، لكن السومري كان يحمل جبالاً من الهدوء والسكينة، أيكفي الاستيقاظ وتلمس الحياة لأول وهلة ليكون مشروعاً لخبال روائي، كيف يمكن لرجل عاد تواً من موته؟! كأنه لم يغادر، لم يذبح، لم يتعرض لشيء، تأمل النافذة متنهداً، وهمس لمن يجلس قبالته، هل يمكن مناولتي التلفون؟! كان السؤال حمامة حائرة ترفرف فوق الرؤوس، ممكن تحقيق كل الرغبات إلا هذه الرغبة المجنونة بامتياز، ابتسم بود عابث تماماً، هامساً—دونوا هذياني!! من يلاحق هذيانات شوقي وكيف ؟!!.

وواصلت: بدأ شوقي العائد تواً من موته الغرائبي يتحدث ببطء متوجعاً، والهاتف يسجل، وكانت نهر الرمان تجربة موت، بعنوان آخر.. قلب مفتوح.. فضاء مغلق.. هل كان الموت من يروي الاحداث.. أم هي الرؤيا الخزينية التي ما زحزحتها المخاوف.. من ماذا يبدأ الهذيان ولماذا لحظة الانطلاق هذه ؟!.

وأشارت الى إن المدخل الصعب ان يصف شوقي كريم.. صالة العمليات.. وهي المكان المكلل بالبياض، والازرقاقات التي تتحرك على عجل.. من تلك اللحظة كانت نهر الرمان .. تجربة موت، مفتاحاً جريئاً لسارد غريب النوايا.. على عجل ابداً.

وأكملت: حين نشر الفصل الاول أو البعض منه، أمر شوقي كريم مدونه المطيع ان يمسح هذه الثرثرات غير المتجانسة، لحظات الموت ما يجب ان تواجه دون حزم، دون تحدٍ، دون شراسة، حين تأكد المحو، أغمض عينيه وانطلق باتجاه خلوات موته، في نومه كان يتحدث، ويبتسم.. ويتنهد… ويبكي.. خليط من الاضطرابات المشدودة والمشلولة ايضاً، بعد يوم آخر.. قال الميت، لطبيبة—ارجوك خذني لأشاهد آخر شهقات انفاسي وأقساها.

وبينت: جنون ان يطلب ميت مشاهدة قبره، لكنه فعلها.. فعلها بكل جرأة وعناد.. تأمل الصالة تفحصها.. تعرّف على المخدرة وتأمل الزاوية التي تجلس عندها المرأة المغشية بالسواد، والاناء الذي وضع فيه القلب.. والأجهزة الباردة مثل قطعة ثلج، اظنه ابتسم لموته، ولربما صافحة مبدياً شديد الاحترام، ولربما اقتعد البلاط الشديد البرودة والقسوة.

ولفتت الى إن المسرح اول الاسترجاعات، هو هكذا يحمل مسرحه بين ثناياه، وضع الأسس وشيّد ديكوراً وأول من أمر بحضوره، كان صاحبه الصانع للمرح برناردشو، الفابي المغالي في تعصبه، وحتى يكتمل الصراح حمل الهدهد عرش اليزابيث وشكسبير وهاملت وأطراف أخرى من مقومات الصراع، المسرح آخر الألعاب وابهاها واكثرها قرباً من الجنون، ولكي تكتمل اللوحة ويبدأ العرض ، حمل العطار والشاعر وهما الحقيقة الوحيدة في هذا الفصل، الذي كتب اولاً، لم يعتد شوقي كريم كتابة رواياته بانساق تسلسلية ابداً، لا ادري كيف يجمع الأحداث ويديرها.. كيف يحافظ على مواقع شخوصه ويسهم في تحريكهم، لكنه يفعلها ببساطة وفرح صبياني وكأنه طفل اكتشف مراده.

ولفتت الى إن شوقي حول الفصول الى أبواب ولأنه سومري تمسك بسباعية الأيام ولكل يوم مدخل وحكاية وصراع، هنا حضرت الحرب بكامل قسوتها، ونبقت صاحبة الكرسي، وضج المكان بالوجوه المتصارعة، في نهر الرمان.. تجربة موت ما كان السارد يرغب بالواقع ورتابته، فأخذ متلقيه الى نوعية كشف صعبة للغاية، الاعضاء تتصارع، تمنح وتأخذ (القلب..العقل..الروح..النفس..الدم..الانفاس..الوجوه داخل نهر من دم يشبه نهراً من رمان)، الابواب السبع جعلته قلقاً، عصبياً في الكثير من الايام، متوجعاً ايضاً، يشطب ليكتب.. يكتب ليعلن احتجاجه، تجربة كتابة سردية وبلغة شوقي كريم أمر متعب جداً، ومحفوف بالمخاطر، لان الزمان السردي كان واسعاً، متناثراً ايضاً. لم يشأ لملمته، وما فعل غير انه شظاها لمرات كثيرة، وبرغم هذا التشظي ظل يتمسك بفرادة بمكان الموت الأول وان احصينا في نهر الرمان تجربة موت أكثر من ثلاثين مكاناً، بعضها درسته الأيام لكن السارد أعاد اليه الحياة في موته، كيف تلك هي لعبة السرد ومغايرته، تجارب ثلاث في الادب العربي تحدثت عن هذه الازمة واقصد ازمة الموت، أولها يوسف شاهين في شريطه السيمي (الاسكندرية ليه) وثانيهما تجربة الشاعر محمود درويش التي كانت مرتبكة وخائفة جداً.

وختمت: إن السؤال الذي لابد منه، هل نجح شوقي كريم حسن، في ان يقدم مسرودته بلغة فلسفية فكرية معرفية مغايرة.. سأبقي الاجابة رهن القراءات المتكاثرة حول نهر الرمان .. تجربة موت.. وربما ستكون لي وقفة ثانية اكشف من خلالها مجاهيل القص عند شوقي كريم حسن.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى