صمود الفن التشكيلي في لبنان

هناء عبد الخالق..
يجرُّ هذا العام 2022 أذيال الخيبة والأنين لوطن يرزح في عمق الجراح من سلالة أعوام سابقة. أنينٌ من انهيار اقتصادي حدّ الرعب بشموله المجالات والقطاعات كافة، ومنعكساً بطبيعة الحال على المشهدين الثقافي والفني بشكل خاص.
برغم ذلك، يبدو لي المشهد الفني في لبنان مشهداً سريالياً، برغم حتمية الدور الذي يشغله الفن في حياتنا، وعلى وجه الخصوص أثناء الأزمات والكوارث الإنسانية، هذه الأيام العصيبة من حياتنا البشرية، يتعالى الفن على الواقع ولا ينغمس في وحوله، بل يجعل من ممارسته شيئاً من التعالي والتعافي الذاتي.
هذا المشهد السريالي يذكرني بالمشاهد الأخيرة لفيلم «تايتنك» الشهير، حيث تقف جوقة موسيقية على حافة الباخرة المنكوبة، وهي تنحدر في جوف البحر تدريجياً، بينما يستمر العازفون بالعزف في هدوء مريب، وسط صيحات الركاب الذين يواجهون مصائرهم الأخيرة.
هل الفن التشكيلي في لبنان اليوم بمنأى عمّا يجري من أحداث وانهيارات؟ هل ينتج فناً مختلفاً؟ أم هو مجرد قفزٌ في الهواء كي لا نغرق في وحول الاقتصاد والسياسة المقيتة؟
لبنان اليوم، مستنقع من القلق والخسارات المتعددة، نتيجة الفساد السياسي، فهو يواجه حاليا أكثر الأزمات حدّة على الصعيد الصحي والنفسي والاقتصادي، صعوبات تذكرنا بالحربين العالميتين الأولى والثانية. وفي الجهة المقابلة يشهد لبنان حركة فنية لافتة في الزمان والمكان من ناحية إقامة المعارض والعطاء الفني. صحيح هي لا تشبه الوتيرة السابقة قبل وباء كورونا وأزمة هبوط قيمة الليرة والارتفاع الجنوني للدولار، بل الأرجح هي حركة فنية تقاوم الإحباط النفسي في زمن الشحّ والتقتير، كوسيلة للشفاء والمرح والتفاؤل.
صحيح، أن المعارض تقتصر على بعض الغاليريهات الصامدة، وربما هي التي تقوم بتشجيع الفنانين كي لا تقفل أبوابها على غرار الكثير من المؤسسات، مع إصرار الفنان على الصمود والوقوف سداً منيعاً في وجه الانحطاط والفساد المتغلغل في مفاصل هذا البلد المنكوب. والمؤسف ما يتبعه بطبيعة الحال من غياب غالبية الجمهور عن متابعة هذه المعارض بسبب الأزمة الاقتصادية والغلاء الفاحش الذي يمنعه من التنقل، وإيلاء همومه اليومية الأولية للحصول على رغيف الخبز والماء والكهرباء.
إذا كانت الكوارث تضعنا أمام تحديات مصيرية، بحيث لا تظهر فقط الجانب المظلم للبشرية، بل قد تظهر الجانب البطولي فيها، وهذا الأمر يعتمد على طبيعة كل فرد في المجتمع.



