قراءة في المشهد البحريني على أعتاب الانتخابات

على أعتاب الانتخابات البرلمانية الثالثة ما بعد أزمة عام 2011، المتوقّع إجراؤها في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، يبدو المشهد السياسي في البحرين باهتاً، من دون لون ولا طعم ولا رائحة، في ظل استمرار الشلل شبه الكامل للحياة السياسية، نتيجة حل الجمعيات السياسية وفرض قانون العزل السياسي الذي منع عدداً لا يُستهان به من أعضاء الجمعيات السياسية المعارضة وقادتها من العمل السياسي والمدني، من ضمنه الترشح للانتخابات البرلمانية.
أبعد من مسألة مشاركة أو مقاطعة
وكما في كل دورة انتخابية، يتجدّد الجدل بشأن جدوى المشاركة في الانتخابات، بين معارضين يرَون أن البرلمان بشكله الحالي أثبت فشله لكونه منقوصَ الصلاحيات ومكبّلاً غير ذي جدوى، تحوّل على إثر ذلك الى أداة لتمرير المشاريع الحكومية بدلاً من القيام بمسؤوليات الرقابة وحماية حقوق الناس كما يقولون، وبين من يرى أن ثمن استمرار المقاطعة سيدفعه الناس من رصيد تجربتهم، على اعتبار أن العمل البرلماني عملية تراكمية قابلة للتطوير، وأن العمل من داخل المنظومة ومحاولة التغيير بالأدوات المتاحة أفضل من العمل من خارجها، خصوصاً في ظل ضيق الخيارات. غير أن طرح هذه الإشكالية في هذه المرحلة يحتّم وضع العديد من المعطيات في عين الاعتبار.
أولاً: أن هذه الانتخابات تجري في ظل أوضاع سياسية غير طبيعية، وأن المسألة أبعد من جدلية المشاركة أو المقاطعة، إذ يلقي استمرار الأزمة السياسية بظلاله على الواقع، كما أن الملف الحقوقي ما زالت دفاتره مفتوحة على الرغم من تطبيق قانون العقوبات البديلة والسجون المفتوحة، إذ ما زال عدد كبير من المواطنين قابعاً في السجون، فضلاً عن أن إجراءات تطبيق هذا القانون ما زالت بطيئة، كما لا يمكن القفز فوق حقيقة أن الأمين العام لجمعية الوفاق الإسلامية، أكبر جمعية معارضة في البحرين، ما زال مسجوناً بسبب نشاطه السياسي، إضافة إلى سياسيين وناشطين آخرين.
ثانياً: يمثل قانون العزل السياسي حجر عثرة أمام المعارضة للقيام بأي تحرك فاعل، وإن كان من داخل المنظومة، والإصرار على تطبيقه يعني حرمان شريحة كبيرة من المجتمع، المشاركة في الحياة السياسية أو المدنية، سواء كانوا قيادات أم أعضاءً سابقين في الجمعيات السياسية التي تمّ حلّها على خلفية الاحتجاجات، إذ تراوح الأرقام المتداولة بين 70 ألفاً وأكثر من 100 ألف شخص، هؤلاء ليسوا محرومين من الترشح فحسب، بل إنهم محرومون من الترشح لمجالس إدارات الجمعيات المهنية والجمعيات الخيرية، ما يجعل المسألة تتجاوز العزل السياسي إلى عملية إزاحة هؤلاء من المشهد برمّته، عبر حرمانهم من حق ممارسة الأنشطة في الحياة العامة، وهو، بطبيعة الحال، مخالف أساساً للدستور.
إضعاف البرلمان وتمكين الحكومة
لا يبدو في الأفق مؤشر لتسوية سياسية كما تتطلع إليها المعارضة، في تعليق شبه كامل وتجاهل للملف السياسي من قبل السلطة، وذلك لغياب الضغوط الدولية من جهة، والنجاح في إضعاف المعارضة في الداخل عبر تفكيك مؤسساتها من جهة أخرى، وعدم السماح لها بإعادة هيكلة نشاطها بأي شكل من الأشكال، أما المعارضة في الخارج فتبدو مفككة وغير متجانسة وغير قادرة على صياغة رؤية موحّدة في عملها السياسي والتنظيمي، وما أضعفها أكثر هو ميل نشاطها إلى العمل الحقوقي، إذ تحوّل أغلب المعارضين في الخارج إلى ناشطين حقوقيين يخاطبون المجتمع الدولي من بوابة الملف الحقوقي لا السياسي. وحلحلة هذا الملف مؤخراً، وإن بشكل محدود، أفرغت جزءاً لا يُستهان به من عمل المعارضة في الخارج.
هذا الخلل في التوازن أبعد المعارضة مسافات عن تحقيق هدفها بانتزاع إصلاحات تعيدها إلى المشهد السياسي من جديد، قريباً على الأقل.
عموماً، هذا التعديل له دلالات عديدة على أكثر من صعيد، ولكن في سياق هذا المقال، هناك دلالاتان مهمتان، الأولى محاولة إرسال إشارات للمجتمع الدولي الذي يتّهم البحرين بممارسة التهميش والتمييز ضد الشيعة بالقول إنهم ممثلون في الحكومة، والثاني وهو الأهم، إرسال إشارات لأبناء الطائفة الشيعية أنفسهم بأنه لا مشكلة مع الشيعة، وهذا في الحقيقة يعكس نظرة وليّ العهد الذي حاول أكثر من مرّة حل الأزمة السياسية بمبادرات لم تنجح. فهل هي محاولة لإعادة رسم العلاقة مع الشيعة الذين يمثلون القاعدة الأكبر للمعارضة؟
إعادة تجسير العلاقة مع الشيعة
لا بد من ملاحظة أمرين مهمّين يحدثان بالتوازي في هذه المرحلة، أولهما أن السلطة تمدّ جسراً من التواصل مع العلامة الشيخ عبد الله الغريفي، وهو شخصية معتدلة الخطاب والتوجهات، ويعَدُّ الرجل الثاني من حيث التأثير بعد الشيخ عيسى قاسم، وقد استضافه القصر الملكي في أكثر من مناسبة، ويعتبره البعض بمنزلة النافذة المطلة على البيت الشيعي وجسر التواصل، ثانيهما محاولة تخفيف حدة الاحتقان مع أبناء الطائفة الشيعية عبر سلة من الإجراءات الحكومية الحقوقية، وتبعه مؤخراً تمثيل جيد لهم في الحكومة، وكأنه يُراد العبور نحو الطائفة الشيعية وتجسير العلاقة معها عبر بوابات جديدة تتجاوز الوفاق ومرجعيتها الدينية.
طموح شعبي لا يموت
أن تتجاهل السلطة الأزمة السياسية القائمة والمطالبة بالتغيير والإصلاح، لا يعني حتماً أن هذه المطالب غير موجودة. هي ما زالت موجودة في بيوت شريحة كبيرة من الناس، في مجالسهم، في السجون، في الجمعيات المنحلة، في الذين أُسقِطت عنهم جنسيتهم والمبعدين في الخارج، وبين المثقفين والنخب. كما أن تفكيك المعارضة لا يعني مطلقاً القضاء عليها، خصوصاً أن هذه المعارضة لها امتدادات تاريخية وليست وليدة المرحلة.
في الحقيقة، ربما يمنع هذا الإقليم البحرين من قفزة في الهواء الطلق وتحقيق ديمقراطية كاملة، ولكنه لا يمنعها من تحقيق المواطنة المتساوية، كما لا يمنعها من رفع هامش الحريات أو التماهي مع الخصوصية الداخلية، بل على العكس، هذا المحيط ليس من مصلحته اضطراب في خاصرته. وتجاهل المطالب بالإصلاح، ومن بينها برلمان كامل الصلاحيات أو بصلاحيات جيدة، ورفض إلغاء قانون العزل السياسي ما هو إلا هروب إلى الأمام من استحقاق تدفع ثمنه البلاد من استقرارها ورفاهيتها. وجدلية المشاركة والمقاطعة في الانتخابات المقبلة لا تخرج عن كونها مسألة شكلية ضمن مشهدية أكبر وأوسع وأكثر عمقاً.



