آية الله السيد مجتبی الخامنئي يرسم ملامح السياسة الخارجية مع جيران الجنوب

بقلم: رضا القزويني..
كما كان متوقعا، أصدر آية الله السيد مجتبى الخامنئي قائد الثورة الإسلامية في إيران، بالتزامن مع ذكرى الأربعين لاستشهاد القائد الشهيد آية الله السيد علي الخامنئي وموضوع وقف إطلاق النار والمفاوضات المقبلة، رسالة بهذه المناسبة. في جزء قصير من رسالته المطولة، خاطب قائد الثورة بشكل مباشر الدول العربية الجارة الجنوبية لإيران. ويمكن اعتبار النقاط الواردة في هذه الرسالة بمثابة مفتاح لفهم آفاق العلاقات بين طهران وهذه الدول في مرحلة ما بعد الحرب.
خلال هذه الحرب، تم استخدام القواعد والمرافق العسكرية والتتبعية والرادارية والاستخباراتية الأمريكية وبعض الدول الغربية الأخرى في أراضي دول مجلس التعاون الخليجي، لشن هجمات عسكرية وقصف مناطق مختلفة في إيران، وتتبع الصواريخ والطائرات الإيرانية بدون طيار التي تم إطلاقها نحو الأراضي المحتلة وقواعد ومصالح أمريكا في المنطقة. وفقا لبعض التقارير والمعلومات المنشورة، قامت بعض هذه الدول خلال هذه الحرب بدور عسكري بشكل مباشر، كما أشاد الرئيس الأمريكي بتعاون هذه الدول، مُسميًا بعضها.
قام مسؤولو هذه الدول، دون اتخاذ موقف مناسب لإدانة العدوان على إيران، وخلافا لمبادئ حسن الجوار، بوصف إيران بأنها عدو لهم.
ومع ذلك، يمكن تقسيم رسالة آية الله الخامنئي الجديدة بخصوص الجيران الجنوبيين إلى ثلاثة أقسام: النصيحة والدعوة، والتذمر والانتقاد، وأخيرا تقديم الحل.
في القسم الأول، نصح قائد الثورة الجيران الجنوبيين قائلاً: “أن تنظروا بشكل صحيح، وتفهموا بشكل صحيح، وتقفوا في المكان الصحيح، وتكونوا على حذر من وعود الشياطين الكاذبة”. وفي جزء آخر من الرسالة، متذمرا من هذه الدول لعدم اتخاذها موقفا مناسبا حتى الآن، قال آية الله الخامنئي: “ما زلنا ننتظر رد فعل مناسبا من قبلكم لنريكم أخوَّتنا وإخلاصنا“. ثم في القسم الثالث، يوضح آية الله الخامنئي الحل والشرط لهذه الدول، والذي ينبع في الحقيقة من الثقة المفقودة لإيران بجيرانها الجنوبيين، قائلاً: “هذا [إظهار الأخوة الإيرانية] لن يتحقق إلا بتخليكم عن المستكبرين الذين لا يفوتون أي فرصة لإذلالكم واستغلالكم“.
هذه هي المرة الثانية خلال شهر، يخاطب فيها قائد الثورة الإسلامية الإيرانية الجديد الجيران، وخاصة الدول الخليجية. في الرسالة السابقة، والتي كانت أول رسالة في فترة القيادة الجديدة، أشار سماحته إلى رغبته في علاقة دافئة وبناءة مع جميع الجيران، وإيمانه بضرورة الصداقة، وانتقد استخدام العدو المعتدي لبعض القواعد العسكرية التي أقامها في دول المنطقة والتي استُخدمت للهجوم على إيران، ونصح بإغلاق تلك القواعد في أقرب وقت. النقطة الجديرة بالملاحظة في تلك الرسالة كانت التأكيد المتكرر والدائم لإيران على أن طهران لا تسعى إلى الهيمنة أو الاستعمار في المنطقة، بل هي مستعدة للاتحاد وإقامة علاقة متبادلة دافئة وصادقة مع جميع الجيران.
يمكن اعتبار الرسالة الثانية خلاصة وملخص الرسالة الأولى، مع فارق أنه بالإضافة إلى التذمر من هذه الدول لعدم اتخاذها رد فعل مناسب تجاه العدوان الواقع على إيران، تم التأكيد على استمرار التوقع المنطقي الإيراني من هذه الدول لتحديد موقفها مع المعتدين، وشرط تخلي هذه الدول عن المستكبرين لتحسين العلاقات.
يمكن اعتبار محتوى رسالة قائد الثورة الجديدة بمثابة أن السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد الحرب ستكون مختلفة عما قبلها وستعتمد على الحقائق الميدانية التي حدثت في هذه الحرب. كما أكد كبار مسؤولي البلاد مرارا وتكرارا أن ظروف إيران بعد الحرب ستكون مختلفة في جميع الأبعاد عن إيران قبل الحرب. من المنطقي أن نتوقع أن السياسة الخارجية الإيرانية تجاه العالم والمنطقة والجيران ستكون مرهونة بسلوكهم ودورهم في هذه الحرب. بطبيعة الحال، ووفقا لحقوق الجوار ومباديء إيران الإسلامية والأخلاقية، لن تسلك إيران طريق الانتقام والعداء مع الدول المجاورة المتعاونة مع المعتدين، فلو كان الأمر كذلك، لكان يجب أن نشهد خسائر بشرية فادحة بين مواطنيها انتقاما لاستشهاد مئات وآلاف المواطنين الإيرانيين الأبرياء. ولكن أي سلوك أخوي من إيران وعودة الثقة، سيكون مرهونا بتغيير نهجهم في الإبتعاد عن أعداء الشعب الإيراني.
باختصار//* إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية في عهد القيادة الجديدة، كما في عهد القيادة الراحلة، لا تزال راغبة في تعزيز العلاقات الدافئة والبناءة مع جميع جيرانها. ولكن الثقة المفقودة لإيران، والتي نتجت عن مساينة وتعاون هذه الدول مع المعتدين في الحرب الأخيرة ضد الأمة الإيرانية، لا تترك خيارًا لهذه الدول سوى بناء الثقة من خلال الابتعاد عن الأعداء والمعتدين.



