اراء

الفاعل معلوم والناطور خجول 

   بقلم / د. كمال احمد العبيدي..

لم تشكل تصريحات ( مايك بومبيو ) وزير الخارجية الأمريكي السابق التي أدلى بها في لقائه المتلفز بخصوص تفاصيل عملية اغتيال شهداء النصر صدمة للعراقيين وغيرهم من حيث الخسة والنذالة والحقارة في تنفيذ هكذا أفعال في بلد فتح حدوده لمن عاهدوه للدفاع عنه كونها تمثل تكرارا لأساليبهم المعتادة في الغدر والطعن من الوجه و الظهر  ، فاغلب ما جاء في تصريحاته معلوم لان الإدارة الأمريكية أعلنت ولأكثر من مرة إنها هي من تبنت العملية ونفذتها في مطارنا الدولي ( بغداد ) أمام أنظار الجميع وغفلة الأعين التي أغمضت ( او .. ) في تلك اللحظات ، والتفاصيل التي جاءت في تلك التصريحات تدعو للتساؤل هل من المعقول بان أجهزتنا الأمنية لم تعرف بتلك التفاصيل رغم خبرتها المعلنة والمجربة في الكشف عن الجرائم ومطاردة المجرمين ، وإذا كانت تعلم بكثير من التفاصيل فلماذا كان ردها اقل ما يقال عنه ( خجول ) بخصوص تلك العملية الغادرة التي استهدفت شهداء منهم اثنين من القادة الذين كان لهم الفضل الكبير في تحقيق النصر المؤكد على عصابات داعش التي احتلت ثلث مساحة العراق ؟ ، وأسئلة من هذا النوع ليست جديدة في الطرح لان الأجهزة المختصة أعلنت في حينها عن المباشرة بتحقيقاتها المعمقة منذ حصول الحادث كونه تم  في أراضي عراقية داخل مطار بغداد الدولي ، وفي منطقة يفترض أن تكون محصنة وتخضع لسلسلة عالية الدقة من وسائل الرقابة والمراجعة وتديرها جهات محلية ودولية وأمنية غاية في التخصص والقدرة في تشخيص ومعالجة اصغر وأدق الأحداث والتفاصيل .

و منذ وقوع الحادث الجبان كان ولا يزال المواطن ينتظر رد الفعل المناسب تجاه الجناة ما دام الفاعل معلوم ، فالرئيس الأمريكي السابق ( دونالد ترامب )  تبجح لأكثر من مرة عن ضلوعه بذلك الفعل الجبان من حيث التدبير والتوقيت والتنفيذ ، كما إن التقارير التي صدرت لاحقا أشارت لكثير من التفاصيل التي أعلنها (بومبيو) في لقائه الأخير ، وفي العرف الجنائي فان القتل مع سبق الإصرار والترصد جريمة تحاسب عليها بشدة قوانين كل البلدان ومنها قانوننا المحلي للعقوبات رقم 111 لسنة  1969 فضلا عن غيره من القوانين ، ومن الغريب إن هذه القضية بقيت طي المداولة والشجب والاستنكار رغم إن الفاعل وشركائه معلوم ومعروف وليس  مجهول ، وصحيح إن مجلس النواب صوت في بداية كانون الثاني 2020 على إخراج القوات الأمريكية من العراق مادام وجودها يمثل انتهاكا للقانون ولكن ذلك التصويت استخدم لغرض  سياسي أكثر من كونه جنائي ، ومن الحق السؤال لماذا لم تقام محاكمة غيابية لمحاكمة الجناة وكل أدوات الجريمة متوفرة من الأدلة والبراهين والمبرزات الجرمية وغيرها من المتطلبات ، والشهداء هم من المواطنين العراقيين او من ضيوف البلد والضيوف دخلوا الحدود بشكل رسمي لا غبار عليه ، وقد يقول البعض وما فائدة إصدار حكم قضائي على رئيس أمريكي يتمتع بحصانات و تتمتع دولته بنفوذ كبير؟ ، والجواب إن القاعدة القانونية مفادها إن لكل جريمة عقاب حتى وان استعصى تنفيذه لتثبيت حقوق المدعين بالحق الشخصي ولتأكيد الحق العام  ، فحالات مثبتة مثل هذه تصدر فيها إحكاما غيابية من باب حفظ حقوق مواقف الشهداء جنائيا حتى وان كانت حقوقهم وتضحياتهم محفورة في عقول وضمائر كل عراقي وطني وغيور ، ومن الممكن بعد انتهاء المحاكمة المحلية إيجاد الوسائل والفرص الملائمة لنقل الجريمة للمحاكم الدولية الجنائية او المتعلقة بحقوق الإنسان كما حصل قبلها في الكثير من الحالات .

 ونضيف لذلك إن تصريحات ( بومبيو) قد أعطت الأدلة الدامغة على توفر أركان الجريمة بحق شهدائنا الأبرار ، كما إن تلك التفاصيل فضحت عناصر متورطة ساعدت في ارتكاب الجريمة تخطيطا او تسهيلا او تنفيذ ، وربما تضيف التفاصيل التي وردت بتصريحه أجوبة لبعض عن الأسئلة التي كانت تبحث عنها الأجهزة المختصة ( الجادة ) في تحقيقاتها بهذا الخصوص ، وهو ما يستوجب إجراء تحليل دقيق لكل ما صرح به هذا القاتل الملعون وإحالة القضية للقضاء العراقي ليصدر حكمه العادل بهذا الخصوص ولكل متورط بهذا الفعل الجبان من الداخل والخارج بمعزل عن عناوينهم ومواقعهم  كخطوة مهمة للقصاص ولولوج القضاء الدولي ، وصحيح إن من حق العراقيين جميعا محفوظ ومكفول في الثار لشهدائهم الأبرار ، ولكن المسالة القضائية يتوجب أن تسير بجانب حق الرد والحق الشرعي في القصاص انطلاقا من القاعدة المعروفة  إن الحق لا يتقادم لا بالزمن ولا بالمكان ولا بتغيير المناصب والمواقع ، ومن واجبنا نحن العراقيين الذين كان لشهداء النصر أفضال علينا في مقاومة الدواعش وتحرير كامل أراضينا من نجسهم ، اتخاذ موقف حازم من مسألة رد الفضل والثار وملاحقة الجناة ، فجرائم من هذا النوع لم يكن هدفها استهداف إبطال للنصر فحسب وإنما لإشاعة اليأس ومحاولة إحباط البطولة التي أبداها كل من دافع ويدافع عن الدم والعرض والأرض ، سواء من الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة او من الحشد الشعبي او الفصائل المقاومة التي أذاقت العدو ومن يسانده الذل والعار ، كما إن من الواجب رفض الردود الخجولة على هذه الجرائم والمطالبة بمواقف حازمة تجسد شجاعة شهداء النصر في المحافل كافة بما لا يبقي الفاعل المعلوم بلا ردع وعقاب .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى