ثقافية

“ماركوفالدو”.. الشخصية المهمشة التي تنتمي للهواء العليل

 

المراقب العراقي/ متابعة…

 تلك الشخصية البسيطة، المهمشة والفقيرة، التي تنتمي أكثر ما تنتمي للهواء العليل، لزقزقة العصافير، للغابة، للرمل، للبحر، للسماء الصافية، للشمس… ولكل ما هو طبيعي وفطري، لم يتمكن من التكيف مع حياة المدينة والمظاهر الحياتية للمجتمع الصناعي؛ الإعلانات، إشارات المرور، واجهات العرض، اللافتات المضاءة بالنيون، البنايات العالية، والأسواق الكبيرة… لذا بدا ماركوفالدو كما لو أنه (دون كيشوت) العصر الصناعي الذي يصارع قهر الآلة وسطوة السلع فقط بسيف فطرته وبراءته التي لم يتمكن منها العالم الصناعي بعد، كما لم يتمكن من نقائه الذي يشبه الثلج، ربما لذلك لم يحب ماركوفالدو شيئا في الحياة كما أحب الثلج، وربما أيضا لأن الثلج وحده القادر على محو جدران قفص المدينة التي انسجنت روح ماركوفالدو بداخلها.

يعرف الروائي (ايتالو كالفينو) كيف يكسب تعاطف القارئ مع شخصية ماركفالدو- الشخصية المحورية في الرواية- إذ تنطوي هذه الشخصية على قدر كبير من البساطة والنقاء إزاء حياة معقدة، قاسية، لا ترحم، وهذا التناقض والتضاد وعدم التكافؤ كفيل وحده بأن يلمس قلوبنا بالألم، فمع كل حكاية ما تكاد أحلام ماركوفالدو البسيطة أن تتوهج فيها حتى تسقط وتتكسر على العتبة، وما هي أحلامه؟ إنها الحلم بحياة لم تُفقدها يد الإنسان البراءة بعد… حياة يكون فيها الإنسان إنسانا لا شيئا مؤتمتا…

ماركوفالدو | المحارب العنيد عن إنسانية لم يتمكن منها العالم الصناعي بعد

ربيع، صيف، خريف، وشتاء، ثم ربيع… عشرون فصلا تتوالى، عشرون فصلا وماركوفالدو يبذل كل نفسه كي يحمي أي أثر لحياة طبيعية لم يفسدها المجتمع الصناعي بعد، عشرون فصلا تدور رحاها، بينما ماركوفالدو يحاول ببساطته وحساسيته أن يضع العصا في دواليب الفصول، عله يفلح في أن يحفظ أخر ما تبقى من إنسانية طحنتهاعجلة الآلة ورأس المال، عله يفلح في الإبقاء قدر الإمكان على شكل الحياة النقي التي لا تنثني عن التسرب من بين أصابعه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى