هدف أردوغان في سوريا.. منطقة آمنة إلى الأبد

بقلم/حسني محلي ..
لقد مضت ثلاثة أسابيع على الخطاب الأول للرئيس التركي رجب طيب أردوغان والذي قال فيه “إن الجيش التركي سيجتاح الشمال السوري في أي لحظة ومن عدة محاور”. خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، وفي كل مناسبة، كرر أردوغان تهديداته هذه، والتي كانت وما زالت حديث الساعة سواء في الشارع التركي داخلياً، أو لدى الأوساط السياسية والإعلامية إقليمياً ودولياً.
الإعلام الموالي لأردوغان، ومنذ ثلاثة أسابيع، يتحدث بإسهاب عن العملية المحتملة، وهو ما استغربه الجنرالات المتقاعدون الذين استنكروا أسلوب أردوغان الذي يتحدث يومياً عن تفاصيل الخطة العسكرية وأسرارها. ويلفت هؤلاء الجنرالات الانتباه إلى تناقضات الرئيس إردوغان الذي يهدد ويتوعد وحدات حماية الشعب الكردية، ولكنه يتهرب من الحديث عن دعم واشنطن لهذه الوحدات، وهي تحت حماية القوات الأميركية الموجودة شرق الفرات.
ويستبعد الجنرالات أن يتحدى الرئيس أردوغان واشنطن، خاصة في هذه المرحلة التي يسعى فيها إلى كسب رضاها دعماً لسياساته الداخلية والخارجية، وبعد مصالحته “تل أبيب” والاتفاق معها على تطوير العلاقات في جميع المجالات وأهمها العسكرية والاستخباراتية.
ساسة معارضون وجنرالات ودبلوماسيون متقاعدون ربطوا بين أحاديث إردوغان عن اجتياح الشمال السوري وبين مخططاته المستقبلية، والهدف منها تأجيل أو إلغاء الانتخابات المقرر إجراؤها في حزيران /يونيو العام المقبل بحجة المخاطر التي تستهدف الأمن الوطني داخلياً وخارجياً. ويفسر ذلك حالات التوتر التي تعيشها البلاد بسبب خطابات إردوغان اليومية التي تستهدف المعارضة والمعارضين إلى درجة أنه قال عن النساء اللواتي يعترضن على سياساته إنهن “ساقطات“.
ومع التذكير بتصريحات زعيم المعارضة كمال كليجدار أوغلو الذي لم يخفِ قلقه من الميليشيات المسلحة التي قد تتدخل خلال الانتخابات القادمة وبعدها، يبدو واضحاً أن تركيا قد دخلت في مسار جديد لا تحسد عليه، بعد أن بات جلياً أن إردوغان سيخسر الانتخابات القادمة، وأنه سيفعل المستحيل لمنع وقوع مثل هذه الهزيمة مهما كلفه ذلك وكلف الدولة والأمة التركية، التي أثبتت كل استطلاعات الرأي أنها قد سئمت من أحاديث إردوغان وأسلوبه السياسي، فهو يهدد ويتوعد الجميع ويرى في كل معارضيه خونة وعملاء وإرهابيين بل وأكثر من ذلك!
يشبّه كثيرون وضع إردوغان بمحمد بن سلمان الذي يسعى بايدن إلى مصالحته بعد كل ما قاله عن مسؤوليته في جريمة جمال خاشقجي، وهو ما نسيه وتناساه إردوغان أيضاً عندما التقى بن سلمان في جدة الشهر الماضي . ومن دون أن يكون واضحاً ما إذا سيعامل الرئيس بايدن إردوغان كما سيعامل بن سلمان، وهو الذي اتهم إردوغان في تشرين الأول/ أكتوبر 2014 (ومعه الإمارات والسعودية ) بدعم كل الفصائل المسلحة في سوريا بما فيها “داعش” والنصرة والقاعدة بهدف التخلص من الرئيس الأسد، وهو الذي قال نهاية 2019 عن إردوغان إنه ” استبدادي ولابد من التخلص منه عبر دعم المعارضة في الانتخابات القادمة ” . ويعرف الجميع أن مثل هذا الدعم المحتمل سيخلق لإردوغان مشاكل على الصعيدين الداخلي والخارجي، وهو ما دفعه إلى الإعلان عن دعمه رئيس الوزراء الباكستاني الجديد شاهباز شريف (جاء أنقرة قبل يومين) الذي حل محل عمران خان الذي أطاحت به واشنطن بالتنسيق والتعاون مع السعودية والإمارات.
ويبدو واضحاً أن إردوغان لم ولن يفكر بذلك مع استمرار التآمر العربي التقليدي ضد دمشق، وأياً كانت الأسباب . كما يعرف إردوغان أن سوريا بوضعها الداخلي المتزعزع أمنياً والصعب سياسياً والأخطر بكثير اقتصادياً ومالياً واجتماعياً لا ولن تستطيع التصدي لأي من مخططاته ومشاريعه، التي يعتقد أنها تحظى بتأييد قطاعات واسعة من السوريين في الداخل والخارج . وإلا لما استمر في أسلوبه هذا ولما استمر في تبنيه لورقة اللاجئين السوريين لأنهم مادة دعائية فعالة لمشاريعه ومخططاته المعروفه في سوريا . وتهدف هذه الحملة الدعائية لتسويق تركيا على أنها نموذج اقتصادي ناجح ودولة تتبنى قضايا المسلمين في سوريا، ومن دون أن يخطر على بال أحد أن سوريا تعرضت وما زالت لأكبر حرب كونية لم يشهد التاريخ لها مثيلاً. وفي جميع الحالات، لم يستخلص أحد ( السوريون من دون استثناء والأكراد وإردوغان والأنظمة العربية ) من أحداث السنوات العشر الماضية ما يكفيهم من العبر والدروس، وبدونها لا حل للأزمة السورية في المديين القريب والمتوسط طالما أن الرئيس إردوغان مصمم على البقاء في سوريا، ولا أحد يستطيع أن يجبره على الخروج منها في ظل المعطيات السورية والإقليمية والدولية الحالية.



