قصيدة تراوغ البكاء.. مظفر النواب رهين السجن والمنفى

المراقب العراقي/ بغداد…
«سُبحانَكَ كُلُّ الأشّيَاءُ رَضيتُ سِوى الذُّلْ/ وَأنْ يُوضَعَ قَلبِيَ في قَفَصٍ في بَيْتِ السُلطانْ/ وَقَنِعْتُ يَكونُ نَصيبي في الدُنيا.. كَنَصيبِ الطيرْ/ لكنْ سُبحانَكَ حتى الطيرُ لها أوطانْ.. وأنا مازلت أطير».
«مظفر» توفي في مستشفى الشارقة التعليمي بالإمارات عن 88 عاما، وفق ما أكد مدير عام دائرة الشؤون الثقافية عارف الساعدي لوكالة الأنباء العراقية، فيما سارعت شخصيات سياسية وثقافية إلى رثاء الشاعر الذي وهب حياته للشعر مناضلًا وثائراً.
حياة «النواب»، حملت الكثير من التقلبات، فمن نشأة أرستقراطية، لعائلة تعود أصولها لسلالة الإمام موسى بن جعفر الكاظم، أحد أئمة الشيعة الأثني عشر، إلى شاعر يعد صوت الفقراء والمهمشين، ليظل رهين السجن والمنفى أغلب فترات حياته. في العشر سنوات الأخيرة، جرى تداول شائعة وفاة «النواب» أكثر من مرة، وخرج في أحدها ساخرا من مروجي الشائعة وطمأن في اتصال مع صحيفة لندنية، محبيه بأبيات من المتنبي: «كمْ قد قُتِلتُ وكم قد متُّ عندَكُمُ/ ثمّ انتَفَضْتُ فزالَ القَبرُ وَالكَفَنُ/ قد كانَ شاهَدَ دَفني قَبلَ قولهِمِ/ جَماعَةٌ ثمّ ماتُوا قبلَ مَن دَفَنوا».
ولد مظفر النواب في بغداد-جانب الكرخ في 1934 لعائلة شيعية أرستقراطية من أصل هندي كانت تقدر الفن والشعر والموسيقى، وأظهر موهبة شعرية منذ سن مبكر، وأكمل دراسته الجامعية في كلية الآداب- جامعة بغداد وأصبح مدرسًا، لكنه طرد لأسباب سياسية عام 1955 وظل عاطلاً عن العمل ثلاث سنوات في وقت صعب على أسرته التي كانت تعاني وقتها من ضائقة مالية، لكن بعد قيام ثورة 1958 عيّن مفتشاً فنياً بوزارة التربية في بغداد.
في 1963، اضطر الشاعر، إلى مغادرة العراق، بسبب المضايقات التي فرضها القوميون على الشيوعيين، وهرب إلى إيران عن طريق البصرة، قبل أن تسلّمه السلطات الإيرانية إلى الأمن السياسي العراقي وهو في طريقه إلى روسيا ويودع في سجن «نقرة سلمان» الشهير جنوبي العراق.
حُكم على النوّاب حينها بالإعدام، لكن خُفف حكمه إلى السجن مدى الحياة، حيث انتهى به المطاف بسجن الحلة في وسط العراق. قام مظفر النواب ومجموعة من السجناء السياسيين بحفر نفق من الزنزانة يؤدي إلى خارج أسوار السجن.
وبعد نجاحه في الهروب، توجه «النواب» إلى منطقة الأهوار في جنوب العراق، وعاش مع الفلاحين والبسطاء حوالي سنة، متوارياً عن الأنظار، وفي عام 1969 صدر عفو عن المعارضين فرجع إلى سلك التعليم مرة ثانية. قبل أن يغادر العراق أواخر الستينيات إلى بيروت: «كان حفلاً أمميًا ودعي النفط/ ولم يدع العراق/ يا إلهي، رغبة آخرى إذا وافقت/ أن تغفر لي بعد أمي/ والشجيرات التي لم أسقها منذ سنين».
عرف مظفر النواب في أوائل السبعينيات بشعره السياسي حيث كان ينتقد بقوة الأنظمة العربية، ما جلب له العديد من المشاكل وجعله يعيش في المنفى أكثر من 40 عاما، فعاش في دمشق والقاهرة وبيروت والجزائر والخرطوم وسلطنة عمان وإريتريا وفيتنام وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.
في عام 2011 عاد الشاعر العراقي الكبير إلى بلاد الرافدين بعد فراق أكثر من 40 عاما واستقبله بشكل رسمي الرئيس العراقي الأسبق جلال طالباني المعروف بعلاقاته مع الشعراء قبل أن يعود ويغادره وبقي طيلة أكثر من عقد يعاني من مرض عضال.



