«بها الليل».. التفكير شعرًا فتحٌ للقادمين من المستقبل

محمد الديهاجي..
بداية وجبت الإشارة، إلى أن أطروحة هذا الاقتراب، تنبني أساسا، على مساءلة «الكتابي» في الزجل المغربي. فلئن كان فن الزجل، قد ارتبط لغة واصطلاحا وممارسة، منذ نشأته، بالتطريب والإنشاد، حتى أصبحا، معيارا ومحددا أساسيا لشعريته، بشكل لا فكاك منه، فإن تجربة الشاعر المائز باختياراته الجمالية إدريس أمغار المسناوي، شكلت ثورة حقيقية، بما تحمله الكلمة من أبعاد ودلالات حداثية، منتصرة للكتابي، في مقابل الشفاهي، حيث استطاع هذا الشاعر أن يقلب المعادلة في العلاقة بينه وبين القارئ، معلنا بذلك عن ميثاق تخييلي جديد، قوامه الكتابة والقراءة، بدل الإنشاد والسماع.
إذا كانت الكتابة النظرية، عند الشاعر البهي إدريس أمغار المسناوي، لا تنفك ترددُ مقولة «الكتابة بالفلسفة» أي الكتابة العالمة، وبتعبير صلاح بوسريف «الكتابة بالمعرفة» إذ إنه ما فتئ يرددُ، عند كل مناسبة، على أن الكتابة الشعرية هي «مركز كل معرفه ومحيطها» فإن جل كتاباته الشعرية، إبداعا، لا من حيث بلاغة تأملاته الكينوناتية، ولا من حيث اختياراتُه الجمالية، تنزع بالشعر، هذا الفعل المارد، نحو تخومه، وتطوّحُ باليد الكاتبة.. اليد المرتعشة.. اليد المحمومة، في تخوم إيقاعاتها، مثلما تطوح بالنص في مواجهة دواله؛ مؤسسة بذلك، لما يمكن تسميته بـ«النص البلوري». هو نص متعدد الأضلاع. نص له خبرة بما هو مقبل عليه، من برنامج نصي، يختلف تماما، عما درجت عليه العادة الشعرية في الزجل، بعيدا عن أي تهافت.
في ديوان «بها الليل» (المطبعة السريعة ط1، يناير/كانون الثاني 2015) وهو محلُّ دراستنا، ينتفض النص، على شفاهية القصيدة الزجلية، التي عُرفت بها منذ نشأتها وظلت تخنُقها إلى يومنا هذا، مستقويا النص بالتأمل الفكري المستند إلى مرجعيات فلسفية حداثية، وما بعد حداثية، ما جعل كل نصوص هذا العمل، تكتسب خبرة مخصوصة. خبرة النص، هذه، لا تستوي إلا بـ«التفكير شعرا» ولا تني تذهب، عبورا، إلى التأمل الكوني/ الإنساني، مُتخفّفةً، من غلواء المألوف وسياق عاداته. هي أعرافٌ كتابية جديدة ورائدة، في شعر الزجل في المغرب. ولعل المخطوطات التسع في الديوان، لدليل قاطع على ما ذهبنا إليه. وشاهِدُنا، في هذه الدراسة، النموذجان التاليان، وهما مجردُ غيض من فيض:
المعْنى عايشْ فيكمْ بلا معنى .. وأنتُما جامْعين… حاضنين
سلبيات اليسار واليمين .. وعلى بركة لمْواتْ باقْيين مْعوّْلين.
إن المتأمل لهذا النموذج، يصطدم بنضج كبير، عند الشاعر، مبتهر من المشروع الفلسفي الحداثي وما بعده.. نضجٍ يتبطن دعوة صريحة للتخلص من الفكر الخرافي، وبركات الأموات، العلّةُ في الخواء في المعنى الذي أصبحنا نحياه اليوم، في تضمين فني رائع وبديع لمقولة « غياب المعنى» لدى بول ريكور.



