«لهذا أخفينا الموتى».. لسان حال الكائن المسلوب الإرادةِ

محمد المطرود..
« إنّهُ الموت تحت التعذيب، الذي يصبحُ مع الموت نفسه خلاصاً، لا يمكن نوالهُ، كما في جحيم الأديان السماوية التي لا يكاد فيها الجسد المدان يكمل احتراقه، حتى يستعيد حياته ليحترق ثانية إلى ما لانهاية». هذا المقتبس من مقال برهان غليون أستاذ علم الاجتماع السياسي في السوربون الفرنسية، وهو مدخلٌ طيّب لي لأدخلَ غرفةَ الصدمةِ، وأمسك بعض الخيوط التي ستقربني من حالي الضعيفة، حالي الباكية وأنا أقرأُ ثَبتَاً فجائعياً عن مئاتِ الآلافِ من الضحايا، وأؤسس من جديد لعلاقةٍ صحيةٍ مع النظام ومع فهمي للتحوّل السوري بأسبابهِ ونتائجهِ، وإذ أقدّم نفسي واحداً غير سياسي، فلا يمكنني أن أعزلني من كوني لستُ مُعتقلاً بطريقة أو أخرى، وأني لا أشغلُ مكاناً في روايةِ الزهراوي» لهذا أخفينا الموتى» وحين أبالغُ في الأنا فلأني أفعل هذا أنموذجاً قد يتشابهُ فيه معي كثر لحد التطابق والتناسخ في درجة الألم وتلقيه، وقد أكونُ في النهاية باستجابتي لصرخةِ الراوي في شهادتهِ المافوق صرخة ومافوق وجع، فإني بذلك أحملُ عبئاً أخلاقياً عني وعنهم!
وائل الزهراوي في «لهذا أخفينا الموتى» يخفي الكثير، ليستطيعَ الحكي، يشتغل على جملتهِ المنتقاة بعناية، وعلى عناوينه الداخلية، كما لو هي أجزاءٌ من تلكَ المحنةَ، من ذلكَ الهوس الجهنمي للقاتل بالدمِ، والمتفنن بآلةِ العذابِ التي تكاد تتفوقُ على العقابِ الإلهي في موضوع الأديانِ. حينَ قال أمل دنقل» لا تصالح» كان يريدُ من ذلك واقعاً عربياً مجروحاً في ذاتهِ، ومنكسراً في سرديةِ عالم اليوم، وهو الحضاري كثيراً ولهُ مقومات أن يكونَ كائناً فاعلاً ومؤثراً، لا كائنا مسلوب الإرادةِ، ويسير وفق مصير لا يحدده بنفسه، إنّما يحددهُ غيرهُ، معنيّ بما يكسبهُ منهُ، لا بما يكسبهُ هو. غير أننا مع بشرٍ يخفون الموتى بأجسادهم في» لهذا أخفينا الموتى، ليحصلوا على قطعة خبز زائدة، تؤهلهم ليعيشوا لحظة أخرى، فإننا بهذا أمام مقولة يريد الروائي المعتقل قولها: «الحياةُ ممكنة» لكن في غيابِ منتهكيها، وإذا كان من تصالحٍ فليكن بعدالةٍ تقتّص منهم وفقَ الشريعةِ الأقرب لجنسِ فعلهم: «الدم بالدم» لعلّ في ذلك تهدأ أرواح الضحايا، ويخفتُ صوتُ الثأر في بقيةِ الأحياء الـ «ما زالو على قيد الموت!».



