القلق الأميركي من الحضور الروسي في العراق

ثمة تبدلات وتغيرات واضحة وملموسة في مجمل المشهد العام في كل من سوريا والعراق، بعد قرار روسيا الدخول على الخط بقوة، ومغادرة خيار الاكتفاء بالمراقبة لما تفعله الولايات المتحدة الاميركية وحلفاؤها واتباعها.حيث بدت الأسابيع الاربعة مختلفة في ايقاع احداثها عن فترة طويلة سبقتها امتدت لما يقارب العام ونصف العام.في الجانب المتعلق بالمشهد السوري، الحقت الضربات المركزة والدقيقة لسلاح الجو الروسي خسائر مادية وبشرية كبيرة جدا في صفوف تنظيم داعش الارهابي والجماعات الارهابية الاخرى، ووفرت للجيش السوري هامشا واسعا للتحرك وتضييق الخناق على الارهابيين في معاقلهم، وهذا ما لم يحصل بهذا المستوى والحجم طيلة الاعوام الخمسة الماضية من عمر الصراع في سوريا.وبعبارة اخرى، اسهم الدخول الروسي القوي والفاعل على خط الازمة السورية في تعديل موازين القوى لصالح النظام الحاكم، ما اقلق الولايات المتحدة الاميركية وحلفاءها الدوليين والإقليميين الى ابعد الحدود، وقد انعكس ذلك واضحا من خلال المواقف السياسية المتشنجة، والحملات الاعلامية المضادة لموسكو.وفي المشهد العراقي، فإن الاعلان عن تشكيل مركز تنسيق استخباراتي مشترك بين العراق وروسيا وايران وسوريا، والذي تزامن مع متغيرات الوضع السوري، كان له دور وأثر مهم في زيادة زخم العمليات العسكرية ضد داعش، وجعلها اكثر دقة وتركيزا لتلحق اكبر قدر من الخسائر بالدواعش، وتقلل الى حد كبير من معدلات الخسائر في صفوف القوات الامنية العراقية والتشكيلات الداعمة لها من الحشد الشعبي وابناء العشائر.ومثلما انعكست المتغيرات الايجابية السورية على المشهد العراقي، فإن المتغيرات الايجابية العراقية على المشهد السوري، لاسيما وأن داعش الذي تلقى الضربات القاصمة على الجانبين، واجه مأزق فقدان مواطئ القدم والقواعد الخلفية التي يحتاجها لإلتقاط انفاسه واعادة تنظيم صفوفه حينما يمنى بالهزائم في الميدان.
هل ستسحب موسكو البساط من تحت اقدام واشنطن في العراق والمنطقة؟
هناك اتفاق – او شبه اتفاق – على ان الحضور الروسي غير المسبوق في المنطقة رسم واقعا جديدا وراح يهيئ الأرضيات لحقائق ومعطيات جديدة على الارض.ولعلنا – لاسيما في العراق – في خضم مظاهر ومؤشرات واتجاهات لا يمكن بأي حال من الاحوال التغاضي عنها وتجاهلها، بل لا بد من ان يضعها اصحاب الشأن وصناع القرار نصب اعينهم.وأول تلك المظاهر، هي ان موسكو باتت قريبة جدا من بؤر الأزمات الإقليمية، بل اصبحت في قلب تلك الازمات الى جانب واشنطن، التي تسعى جاهدة لأن تحتكر دور اللاعب الدولي الرئيس في المنطقة وتتلاعب بأوراقها كيفما تشاء.من الصعب جدا على واشنطن ان تقنع بوجود لاعب رئيس اخر، يكون فاعلا ومؤثرا الى جانبها، مثل موسكو، لأن الأخيرة ستنافسها على الهيمنة والنفوذ من جهة، وستفضح الكثير من اساليبها الملتوية ومناهجها الخاطئة، ومواقفها الازدواجية والانتهازية التي طفا الكثير منها على السطح خلال الصراع مع تنظيم داعش الإرهابي وعموم الجماعات الارهابية المسلحة، سواء في العام الاخير ام الأعوام السابقة له.ولا شك ان اظهار واشنطن نوعا من الجدية في ضرب اوكار داعش مؤخرا، قد يبدو خطوة للمزايدة على موسكو، والتقليل من حجم الانتقادات الموجهة للسياسات الاميركية من قبل اطراف وقوى سياسية عراقية وغير عراقية عديدة، ناهيك عن الرأي العام، وقد نقل عن اوساط سياسية عراقية، قول السفير الاميركي في بغداد ستيوارت جونز على تساؤلات تهكمية اطلقها بعض الساسة العراقيين، حول مغزى قيام الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة توجيه ضربات جوية قوية ودقيقة لأوكار تنظيم داعش في الأنبار وصلاح الدين، «اننا كنا نجمع المعلومات ونضع ونهيئ الخطط المحكمة لضرب الارهاب في الوقت المناسب»!.
ومع بروز النتائج الايجابية للدور الروسي في سوريا، راحت الاصوات تتعالى من محافل وأوساط سياسية عراقية مختلفة، بضرورة ان يكون لموسكو دور مماثل في العراق، وان لا يقتصر دورها على جمع وتبادل المعلومات في اطار مركز التنسيق الاستخباراتي. وبادرت الحكومة الروسية الى التأكيد بأنها مستعدة لتدعم وتساند العراق في حربه ضد تنظيم داعش متى ما طلبت منها الحكومة العراقية ذلك، وعلى ما يبدو ان الضغوط الاميركية والاجواء السياسية والإعلامية المضادة لأي دور وحضور روسي في العراق، من قبل اطراف سياسية معينة لها اجندات وحسابات خاصة تمثل نسخا من اجندات وحسابات اطراف اقليمية ودولية، جعلت الحكومة العراقية تتردد في الطلب رسميا من موسكو تقديم الدعم والمساعدة بقتال داعش، وهذا ما اكدته جهات مطلعة على ما يدور خلف الكواليس والاروقة السياسية الخاصة.بيد أن الحضور الروسي في العراق، ومثلما ترى نخب وشخصيات سياسية من اطياف وتوجهات مختلفة، بات خيارا مهما، في ظل التلكؤ والمماطلة الاميركية، وحاجة العراق الى اسناد خارجي اقليمي ودولي يكون اكثر مصداقية وجدية.وترى تلك النخب والاوساط السياسية، ان واشنطن تعاطت طيلة فترة العام ونصف العام المنصرمة مع خطر تنظيم بازدواجية ونفاق وانتهازية، وفي بعض الاوقات صرحت بوضوح انها «لا تنوي القضاء على داعش نهائيا، وتخطط لتحجيمه واضعافه فحسب»، ربما انطلاقا من مصالحها، او ارضاء لبعض اصدقائها وحلفائها في المنطقة مثل السعودية وتركيا وقطر. لذلك فإن الاستفادة من الإمكانيات والقدرات الروسية، كطرف دولي، الى جانب ايران، كطرف اقليمي، في مواجهة تنظيم داعش، ستكون له انعكاسات ايجابية ملموسة، كما حصل في سوريا.تلقائيا، سيخلق الحضور الروسي في العراق وعموم المنطقة مزيدا من الاحتكاكات غير مرغوب بها بين واشنطن وموسكو، فضلا عن قيام قوى واطراف اقليمية بوضع العصي في الدواليب، إلا ان المفيد في الامر، ان ذلك الحضور من الطبيعي ان يحجّم بقدر الحضور والتأثير الاميركي، وفي الوقت ذاته يمكن ان يرغم واشنطن على اظهار قدر اكبر من الجدية، ولو من باب ذر الرماد في العيون.ومن غير المستبعد ان تشهد مرحلة ما بعد الحضور الروسي في المنطقة والعراق، مشاكل مختلفة، لكنها في كل الاحوال لن تكون اكبر مما تواجهه في ظل الانفراد الاميركي، والتآمر الاقليمي.ولا شك ان محور (موسكو- بغداد- طهران- دمشق)، سيكون اكثر جدوائية وفاعلية وجدية ومصداقية من محور (واشنطن- لندن- الرياض- أنقرة- الدوحة).




