اخر الأخبار

عاشوراء .. عيد أم مأتم ؟! بحــث روائــي لتبييــن الحــق مــن الباطــل

ioiuoi

نقدم للقارئ الكريم اليوم بحثاً علمياً موثقاً يتصدى لبعض الشبهات التي طرحها أعداء أهل البيت(عليهم السلام) حول قضية عاشوراء،وهذا البحث هو الفصل الثالث من كتاب (عاشوراء بين الصلح الحسني و الكيد السفياني) بقلم العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي ولأهمية البحث ارتأينا نشره كي يعرف المسلمون كيف يتم تزييف الحقائق والتعدي على الله تعالى ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا هو البحث بتصرف.
عاشوراء . .عيد الشامتين بأهل البيت عليهم السلام
إذا أردنا أن نسلّم بما يقال،من أنّ عمل السلف حجة،وإن لم يكن المعصوم داخلا فيهم.
و إذا فرضنا صحة قولهم إن عصر الصحابة و التابعين هو العصر الذي تنعقد فيه الإجماعات،وتصير حجة،و تشريعاً متّبعاً ..و إذا كان الإجماع معصوماً و نبوّة بعد نبوّة،حسبما يدّعون..وإذا كان يحلّ لمسلم أن يدّعي وجود نبوّة بعد نبوّة خاتم النبيّين،خلافاً لنص القرآن الكريم:”مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ.. “. 2
و إذا كان يجوز عند هؤلاء طّرح القرآن،و كل ما قاله النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) لمجرد أنه انعقد الإجماع بعد عصر النبي(ص) على خلافهما،مع التصريح بأن الأمة معصومة..
إذا جاز كل ذلك..جاز أن يقال لهؤلاء لقد سُبَّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) على ألوف المنابر في جميع أقطار العالم الإسلامي،من وعّاظ السلاطين،طيلة عشرات السنين.وشارك في ذلك العديد بل العشرات من الصحابة..
فهل يجوِّز هؤلاء العودة إلى سبِّه،وهل يعدون ذلك شريعة مرضية لله تعالى و لرسوله(ص)؟!.
كما أن بني أميّة و كلّ أتباعهم،و من كان تحت سيطرتهم،وكذلك بنو أيّوب،ولمدة عشرات السنين،قد اتخذوا يوم عاشوراء عيداً،وأوّل من فعل ذلك الحجّاج،برضا و بمرأى و مسمع من عبد الملك بن مروان، و بمرأى ومسمع من بقايا الصحابة، و جميع التابعين.
و لم نجد اعتراضاً من أحدٍ منهم،ولا من أيّ من علماء الأمة،و صلحائها ـ باستثناء أهل البيت(ع) الذين كانوا يعملون بمبدأ التقية آنئذٍ ـ لا في تلك المدة في عهد الأمويين،و لا في زمان بني أيوب.
ثم إنهم يؤكدون لزوم السرور في هذا اليوم بما يروونه من حوادث عظيمة،اتفق وقوعها فيه،من قبيل توبة الله فيه على آدم(ع)،و استواء سفينة نوح على الجودي،و إنجاء النبي إبراهيم(ع) من النار،و فداء الذبيح بالكبش،ونحو ذلك.
و يا ليتهم اكتفوا بذلك،بل لقد تعدّوا ذلك إلى الإفتاء بحرمة لعن يزيد (لعنه الله)،وعدم جواز تكفيره،وقالوا إنّه من جملة المؤمنين .
بل لقد قال ابن الصلاح: و أما سب يزيد و لعنه،فليس ذلك من شأن المؤمنين،و إن صح أنه قتله أو أمر بقتله”أي قتل الإمام الحسين(ع)”..زاعمين أنه يجوز لعن قتلة الأنبياء،ومن علم موته على الكفر..”وغير هذا الكثير من محاولات الدفاع عن من كان حرباً لرسول الله(ص)لأنه حارب أهل البيت إذ يقول رسول الله (ص) لأهل البيت(ع):” أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم” فهل محارب رسول الله(ص) مسلم وغير ذلك من كثير الأدلة التي سبق أن نشرناها ولا يسع المجال ذكرها.
كما أن الجمهور قد خالفوا في جواز لعنه بالتعيين .
و قال عبد الغني سرور المقدسي:إنما يمنع من التعرض للوقوع فيه،خوفاً من التسلق إلى أبيه،وشكَّاً لباب الفتنة .
بل قال الشبراوي الشافعي،عن الغزالي،و ابن العربي:فإنّ كليهما قد بالغ في تحريم سبّه و لعنه،لكنّ كليهما مردود..
تحريم رواية المقتل
ثم زادوا على ذلك فقالوا يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين،وحكاياته.. قال ذلك الغزالي و غيره كما في
الصواعق المحرقة:2/640،وأغاليط المؤرخين:131،وقيد الشريد:61 .
و ليس ذلك ببعيد على من لا يرى بأساً بالسكوت حتى عن لعن إبليس،كما عن ابن أبي شريف،بل قال الرملي ينبغي لنا أن لا نلعنه الإتحاف بحب الأشراف: 67 و68،وإحياء العلوم:3/ 125/126.
و قال الغزالي بل و لو لم يعلن إبليس طول عمره،مع جواز اللعن عليه،لا يقال له يوم القيامة لم لا تلعن إبليس .
و قال و أما الترحم عليه (أي على يزيد) فجائز،بل مستحب،وهو داخل في قولنا اللهم اغفر للمؤمنين و المؤمنات،فإنه كان مؤمناً”كما في إحياء العلوم:3/126 فما بعدها،وقيد الشريد:57.
تحريم التحزن و التفجع في عاشوراء
أما تحريم التحزّن والتفجع في يوم عاشوراء فلعله أهون تلكم الشرور كما في إقتضاء الصراط المستقيم:299 و 300،ونظم درر السمطين:228.
،بعد أن كانوا و ما زالوا يهاجمون مجالس عزاء الإمام الحسين(ع)،ويقتلون من يقدرون عليه من المشاركين فيها،بل و يحرقون المساجد،ويفعلون الأفاعيل في سبيل ذلك.ونحن نعيش اليوم في العراق،والبحرين،وسوريا،ولبنان،وباكستان،واليمن وغيرها من الدول واقعاً مشابهاً لذلك الواقع كما لا يخفى على أحد.
المزيد من الشواهد
و من أجل التأكيد على حقيقة عدّهم عاشوراء عيداً،التي ألمحنا إليها فيما سبق،نزيد في توضيح ذلك من خلال إيراد النصوص التالية
قال زكريا القزويني:زعم بنو أمية أنهم اتخذوه عيداً،فتزيّنوا فيه،وأقاموا الضيافات،والشيعة اتخذوه يوم عزاء،ينوحون فيه،ويجتنبون الزينة .
و أهل السنّة يزعمون أن الاكتحال في هذا اليوم مانع من الرمد في تلك السنة كما في عجائب المخلوقات،بهامش حياة الحيوان:1 /115 ونظم درر السمطين:230 ،والصواعق المحرقة:2/534 .و من اغتسل فيه لم يمرض ذلك العام،ومن وسّع على عياله وسّع الله عليه سائر سنته .
و قال عن شهر صفر اليوم الأول منه عيد بني أمية،أدخلت فيه رأس الحسين رضي الله عنه بدمشق 17 .
و قال البيروني بعد ذكر ما جرى على الإمام الحسين(ع) يوم عاشوراء: فأمّا بنو أمية،فقد لبسوا فيه ما تجدّد،و تزيّنوا،و اكتحلوا،و عيّدوا،و أقاموا الولائم و الضيافات،و أطعموا الحلاوات و الطيّبات،و جرى الرسم في العامّة على ذلك أيّام ملكهم،وبقي فيهم بعد زواله عنهم.
و أمّا الشيعة،فإنّهم ينوحون و يبكون،أسفا لقتل سيد الشهداء فيه كما في الكنى و الألقاب:1/431، و:الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري:1/137،والآثار الباقية،للبيروني طبعة أوربا:329 .
و يقول المقريزي: فلمّا زالت الدولة اتخذ الملوك من بني أيّوب يوم عاشوراء يوم سرور ، يوسّعون فيه على عيالهم ، و ينبسطون في المطاعم ، و يتّخذون الأواني الجديدة ، و يكتحلون ، و يدخلون الحمام ، جرياً على عادة أهل الشام ، التي سنها الحجّاج في أيّام عبد الملك بن مروان ، ليرغموا به آناف شيعة علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، الذين يتخذون يوم عاشوراء يوم عزاء و حزن على الحسين بن علي،لأنه قتل فيه.. و قال و قد أدركنا بقايا مما عمله بنو أيّوب،من اتخاذ عاشوراء يوم سرور و تبسط .جاء ذلك في:الخطط و الآثار:1/490،والحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري:1/138 عنه.
أمّا ابن حجر الهيثمي والزرندي،فقد أشارا إلى هذا الأمر في معرض نهيهما عن الندب،والنياحة،والحزن يوم عاشوراء، الذي هو من بدع الرافضة بزعمهما،ثم أشارا إلى ما يقابل ذلك،فنهيا عن العمل ببدع الناصبة،المتعصبين على أهل البيت(ع)،أو الجهّال،المقابلين الفاسد بالفاسد،والبدعة بالبدعة،والشر بالشر،من إظهار غاية الفرح،واتخاذه عيداً،وإظهار الزينة فيه،كالخضاب،والاكتحال،ولبس جديد الثياب،وتوسيع النفقات،وطبخ الأطعمة و الحبوب الخارجة عن العادات،و اعتقادهم أن ذلك من السنة و المعتاد.. كما في الصواعق المحرقة:2/534،ونظم درر السمطين:288و299 و230.
هذا..و قد ورد في زيارة عاشوراء المروية عن الإمام الباقر عليه السلام قوله اللهم ، إن هذا يوم تبرّكت به بنو أمية ، و ابن آكلة الأكباد .
و حتى ابن تيمية،و هو المتعصب المتحامل على أهل البيت(ع)وشيعتهم،لم يستطع أن يظهر الرضا بهذا الأمر،فهو يقول:
و إظهار الفرح و السرور يوم عاشوراء،وتوسيع النفقات فيه هو من البدع المحدثة،المقابلة للرافضة كما في إقتضاء الصراط المستقيم:301.
التزلّف الوقح
و أضاف ابن تيمية إلى عبارته الآنفة الذكر قوله:
و قد وضعت في ذلك أحاديث مكذوبة في فضائل ما يصنع فيه،من الاغتسال والاكتحال..الخ كما جاء في إقتضاء الصراط المستقيم:301،و راجع:نظم درر السمطين:230.
و قال..و أحدث فيه بعض الناس أشياء ، مستندة إلى أحاديث موضوعة ، لا أصل لها ، مثل فضل الاغتسال فيه ، أو التكحل،أو المصافحة.
و هذه الأشياء و نحوها من الأمور المبتدعة ، كلها مكروهة، وإنما المستحب صومه.
و قد روي في التوسع على العيال آثار معروفة،أعلى ما فيها حديث إبراهيم بن محمد بن المنتشر،عن أبيه،قال بلغنا،أنه من وسّع على أهله يوم عاشوراء،وسّع الله عليه سائر سنته .رواه ابن عيينة.
و هذا بلاغ منقطع،لا يعرف قائله.و الأشبه أن هذا وضع لما ظهرت العصبية بين الناصبة و الرافضة،فإن هؤلاء عدّوا يوم عاشوراء مأتماً،فوضع أولئك فيه آثاراً،تقتضي التوسّع فيه،واتخاذه عيداً .وقد جاء هذا في إقتضاء الصراط المستقيم: 300. وللإطلاع على بعض هذه الأحاديث راجع: نوادر الأصول : 246،والسيرة الحلبية:2/134، واللآلئ المصنوعة:1/ 108 ـ 116،وتذكرة الموضوعات: 118،ونظم درر السمطين:230 .
بل لقد بلغ بهم الأمر أن رووا عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى:”..مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ..” سورة طه،لآية 59.
أنه قال يوم الزينة يوم عاشوراء. كما في الدر المنثور:4/303.
و عن ابن عمر،عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من صام يوم الزينة أدرك ما فاته من صيام تلك السنة،و من تصدّق يومئذ بصدقة،أدرك ما فاته من صدقة تلك السنة يعني يوم عاشوراء .الدر المنثور:4/303 عن ابن المنذر .
نعم ، هذه هي أقاويلهم وتلك هي أفاعيلهم في يوم مصاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بولده الإمام الحسين(ع) عليه السلام،فاضحك من ذلك،أو ابك،فإنك حقيق بهذا أو بذاك،بل بهما معاً..
فإلى الله المشتكى،من أمة قتلت ابن بنت نبيها،ثم لم يزل يسعى هؤلاء المتحذلقون،ليس فقط إلى تبرئة قاتله،بل هم قد لا يرضيهم إلا أن يرفعوه إلى درجات القديسين،وإعطائه مقامات الأنبياء و المرسلين،لو وجدوا إلى ذلك سبيلاً..،و لكن يأبى الله إلا أن يتم نوره،وينصر دينه،ويعز أولياءه إنه قوي عزيز .
كلمة أخيرة
و بعد.. فإننا نحسب أن ما ذكرناه في هذه الإطلالة،كاف و واف لإعطاء الإنطباع الصحيح عن الحق و الحقيقة،في أمر يعدّ من البديهيات،التي لا تحتاج لاكتشافها و التعرف عليها إلى هذا الحشد الكثير،ولا إلى ذلك الجهد الكبير،ولكن التجارب و الأيام قد علمتنا أن هؤلاء الناس لا يقتنعون بالمنطق،وبالعلم الصحيح،ولا يريدون أن يقنعوا الناس به،ثم هم يريدون أن يصدوهم عنه،و لو بأن يتلاعبوا بعواطفهم و مشاعرهم،وإن يشحنوهم بالكراهية،والضغينة على إخوانهم،وأن تكون الأحقاد التي يغذيها الكذب و التزوير،هي سيدة الموقف،وهي التي تحكم الحركة و السلوك و العلاقات بين المسلمين.. إنهم يريدون أن يزينوا آراءهم الباطلة و ضلالاتهم للناس بترهات خادعة ، و بشعارات لامعة ، و إثارات بارعة و مائعة ، حتى إذا فشلت في التضليل ، و في التجهيل ، كان البديل عنها لديهم هو أساليب القمع الفظة ، و اللا إنسانية ، و فرض رأيهم و طاعتهم ، و الانقياد الأعمى لهم على الناس، و لو بالقوة ، و بالقهر ، ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً. فإنا لله ، و إنا إليه راجعون ،و الحمد لله رب العالمين و سلام على المرسلين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى