العوامل التي أدت إلى شهادة الامام الحسين «عليه السلام»
علي العلي
من المؤسف جداً أن الأمة الإسلامية هي الوحيدة من بين الأمم المؤمنة بشريعة نبيٍّ في تاريخ البشرية التي أقدمت على قتل ابن بنت نبيها(صلى الله عليه وآله وسلم),وما قد يورد على هذه الحقيقة من أنه كان هناك أمم قتلت أنبياء وأوصياء كتلك التي قتلت يحيى بن زكريا (عليهما السلام) إشكال مردود لأن هذه الأمم لم تكن أصلاً مؤمنة بما جاء به إليها أنبياؤها،إلا أن الأمة الإسلامية في القرن البكر من تاريخها ارتكبت هذا النوع من الجرائم الذي يعبر عن تناقض فاحش يضرب ذاتها الاجتماعية،ففي الظاهر تدعي أنها توالي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)..بينما في سلوكها العملي تقوم بسبي ذراريه بعد قتل ريحانته الحسين (عليه السلام) والطواف برأسه في أصقاع المنطقة تنكيلاً ونكت ثناياه بالمخصرة تنفيساً عن حقد جاهلي !!!
بعد هذه الالتفاتة التي تؤكدها وثائق التاريخ..ينبغي لنا الوقوف على أهم العوامل التي دفعت الأمة الإسلامية آنذاك الى ارتكاب الجريمة العظمى بقتل الإمام الحسين (عليه السلام)،وذلك «كي لا ننسى» ولا نتورط في حياتنا السياسية والفكرية بما يشبه هذه الجريمة النكراء من قريب أو بعيد !!
ومن أهم العوامل المشار إليها أعلاه:
السير على خط سياسي منحرف عن الشريعة
لقد كان الخط السياسي الحاكم الذي أمسك بتلابيب الأمة الإسلامية وواجهه الحسين (عليه السلام) خطاً منحرفاً عن الإسلام جملة وتفصيلاً،سراً مرة وعلانيةً أخرى..فهو الذي شجع ومهد للأطر الثقافية والآليات التنفيذية التي يسوغ في ظلها اقتراف جرائم الوثوب على الثوابت والمقدسات والإطاحة بها وصولاً الى قتل الأوصياء,نعم،في الظاهر أن الحسين (عليه السلام) قتله شرار هذه الأمة إلا أن خيّار الظاهر العام كان لهم سهم وافر من مسؤولية ذلك شعروا بذلك أم لم يشعروا..
وبعبارة أوضح:أنه أشيع بين الناس ثقافة سياسية منحرفة ونظريات مكذوبة لتنحرف حركة الحياة الاسلامية بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فغدت حرمة الخروج على السلطان الجائر مثلاً من أدبيات «الفقه» السياسي الإسلامي ويضطلع بالترويج لها فقهاء السلاطين,فوضعوا مؤيدات حديثية لها تروى زوراً عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن جملة الأحاديث المكذوبة هذه ما ورد في «سنن الترمذي» تحت الرقم «2199»عن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه قال:»سمعت رسول الله (صلى الله عليه (وآله) وسلم) ورجل سأله فقال:أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعوننا حقنا ويسألوننا حقهم فقال رسول الله (صلى الله عليه(وآله) وسلم):اسمعوا وأطيعوا،فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم» ..
وهنا يجدر بنا الالتفات إلى أن هذا الحديث المكذوب يحاول واضعه أن يحمل الناس على الاعتقاد بأمرين باطلين هما:
أولاً: أن الجواب عن المسائل السياسية ليس من شأن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)،فهو لا يسأل إلا عن المسائل الشرعية الفردية كالصلاة والصوم..
ثانياً: أن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أيد حرمة النهي عن المنكر ومكافحة الفساد والظلم مما كان يمارسه الحكام, لتصبح مصادرة حكام الجور لحقوق الناس أمراً غير قابل للمعارضة من كائن من كان مهما علت قدسيته وشَرُف في المجتمع الإسلامي!! ومن المعلوم ان أمثال هذا الحديث المكذوب هي ما سلط يزيد على رقاب الناس, وثبط عزيمة الأمة وقعد بها عن الجهاد ضد الطواغيت وأئمة الجور وأسس لثقافة الاستسلام لهم ورسخ الهزيمة النفسية أمامهم، لتكون جريمة قتل الإمام الحسين السبط (عليه السلام) نتيجة طبيعية لمثل هذه الثقافات السلبية كما وردت الإشارة إليه في نص زيارة عاشوراء المباركة للإمام الصادق (عليه السلام):»لعن الله أمة أسست أساس الظلم والجور عليكم أهل البيت..».
تداعيات آلية الشورى العمرية
وهذه الآلية لها آثار سياسية امتدت من عهد عمر بن الخطاب إلى عهد الحكم الأموي الذي اتخذها ركيزة لمشروعية مزيفة ليصل يزيد الى سدة الحكم رغم تجاهره بأكبر الذنوب وقتل النفس المحترمة،ورغم وجود الأحاديث المتواترة والنصوص الصحيحة الصريحة التي تبين أن الإمام علياً والأئمة المنصوصين من ولده(عليهم السلام) هم الخلفاء بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
سلوكية التقاعس عن نصرة الحق
إذ إن جميع شرائح المجتمع من مسؤوليتها نصرة الحق،بدءاً من الشيخ الكبير مروراً بالرجل فالشاب ثم المرأة وكل الموجودين في ساحة الحياة،فالمجتمع آنذاك كان مصاباً بشلل نفسي ناشئ عن حب الدنيا وعدم الإيمان الكامل بمتطلبات الشريعة المحمدية وعدم الإيمان الفكري والروحي بها..



