اراء

الحشد الشعبي مصداق للمدنية في الإسلام

 

كتب / أ.م.د. بشار سعدون الساعدي …

لعل الحديث عن الدين والمدنية معاً يُحيل الذهن إلى تعارضهما أو، على أقل تقدير، إلى عدم التقائهما؛ غير أن الأمر مرهونٌ بمدى فهمنا للمدنية أولاً، ومن ثّمَ هل يمكن أن نجد لها موضعاً في الدين؟
للمدنية وجهان: وجه حضاري، وآخر ثقافي. الأول ظاهري يتصل بطبيعة عيش الجماعة من حيث العمران والمؤسسات ولعله حتى القوانين. والحقيقة أن هذا الأمر لا يثير جدلاً حول علاقة المدنية بالدين؛ فعبر التأريخ لم نجد دولة، أياً كان نموها الحضاري، تخلو من العنصر الديني، أو إذا أردنا الدقة لم نجد جماعة بشرية، سياسية كانت أم غير سياسية، تخلو من العنصر الديني، والذي يسميه بعض الفلاسفة بالواعز الفوقي.
ويأخذ الوجه الثاني للمدنية المستوى الاكثر عمقاً في جدل العلاقة بين الدين والمدنية؛ ذلك من حيث إنهُ يمتد إلى المحتوى الداخلي لوعي الجماعة، فهو الذي يُنظم علاقاتهم ومدى الرضى بالآخر. وبصورة مختصرة ينظم علاقة (الأنا بالآخر). فالمدنية هي أحد أشكال نمط العلاقات الاجتماعية الذي يتأسس على الالتقاء الاجتماعي الافقي بغض النظر عن الدين واللون والعرق، أي بمعنى أنها تقبل الآخر ولا تبحث عن انتمائه، ومن ثّمَ تنتهي بالتعايش غير المشروط ، في حين أن الدين يعطي قيماً تفترض صدق معتقد الأنا، وهو ما يُفضي إلى وضع الآخر في مصافِّ النقيض، ما يصعب قبوله والتعايش معه وهو ما يأكل من جرف المدنية.
من الممكن أن يكون ذلك كذلك لو سلمنا يهذا المعطى المجرد؛ غير أن الدين لا ينسف وجود الآخر، وإن سلم باختلافه، فالدين ليس أيديولوجيا بشرية قاصرة تنظر إلى الآخر لتقصيه؛ وإنما ينظر إليه كضرورة وجودية تفترض لها نمطاً من أنماط التعايش وإلا سينخرط الدين تدريجياً نحو الانكفاء على الذات ويتكلس حول نفسه ويبدأ معاملاته وفقاً لمعيار الانتماء إلى الـ(نحن) وهذا ما انخرطت إليه اليهودية حينما وسمت نفسها بـ(شعب الله المختار) ومن ثم انكرت الاخرين. ولما كانت طبيعة التجمعات البشرية التنوع بالضرورة؛ فهذا ما يعني أن تخلق مجموعة (نحنيات) متضادة تفضي إلى صراع أو صدام حضارات كما ذهب إلى ذلك (صومائيل هنتنغتن).
والحقيقة ما ذاك إلا مقدمة للتطرف وابتعاد عن جوهر الدين؛ فلم تأت الاديان لتعزل البشر عن بعضهم، ولا نكران الآخر والانكفاء على الذات من قاموس الاسلام، ليس على المستوى الفقهي أو في علم الكلام فحسب؛ وإنما في نظام المعاملات؛ فقول أمير المؤمنبن (سلام الله عليه) لمالك الاشتر:( الناس لك صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق) إنما هو إشارة للتعايش وقبول الاخر، الآخر الذي ليس مفارق في الدين أو المعتقد فحسب؛ وإنما قد يفارق في العرق واللون والانتماء؛ فتغيب هنا كل مصطلحات التمييز والاستئثار بالذات ولايبقى إلا الأخ والنظير.
لعل هذا ما يحيلنا للقول بأن الدين يخط لنا طريق التعايش والرضى بالآخر، الآخر الذي دفع أبناء علي(سلام الله عليه) لحمل السلاح والدفاع عن الآخر النظير لهم في الخلق؛ فهم مصداق للمدنية من حيث محتواها الروحي والثقافي. هكذا يمكننا أن نقول: بأن أبناء الحشد الشعبي حينما هبوا للدفاع عن الآخر حركتهم ثلاثة عوامل جاءت بالترتيب: العقيدة، المروءة، الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى