بدر شاكرالسّياب الشاعر المجدد الذي لم ينصفه جيله والتأريخ الأدبي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
ترى الناقدة الدكتورة نادية هناوي أن الشاعرالمجدد بدر شاكرالسّياب لم ينصفه جيله وإن التاريخ الأدبي هو الآخر جار عليه حين حصر شاعريته في مسألة السبق والريادة.
وقالت هناوي في قر اءة نقدية خصت بها (المراقب العراقي ): ليس لشاعر أن يعبِّر عن مرارة واقعه وما فيه من تناحر وتصارع وبغض ومكائد مثل ما عبّر أبو الطيب المتنبي في العصور الغابرة، ومثل ما عبّر بدر شاكر السياب في العصر الحديث، فكلاهما عانى فأبدع وحورب فقاوم واضطُهد فترفع وأُوذي فنبغ.
وأضافت :وإذا كان السياب شاعرا مجددا لم ينصفه جيله، فإن التاريخ الأدبي هو الآخر جار عليه، حين حصر شاعريته في مسألة السبق والريادة، وهو ما تابعه عليه النقد الأدبي، في زمن لم تكن مناهج النقد ونظرياته بهذا التطور الذي نشهده اليوم. وإساءة مؤرخي الأدب في حق السياب، هي مثل إساءتهم لنازك الملائكة حين قدّموا عليها السياب وعدوه رائدا في كتابة الشعر الحر وقصيدة التفعيلة، مع أن هناك اختلافا بسيطا لا يتجاوز الشهر والشهرين، علماً أن الاثنين ــ نازك والسياب ــ كانا قد اتفقا على كتابة ديوان مشترك ـ كما يذكر عبد اللطيف أطيمش في مذكراته عن السياب ـ بمعنى أنهما عزما على تغيير مجرى نهر الشعر العربي، عزماً يتعدى مسألة السبق والريادة التي لا تنتقص من وعيهما بالمسار الحداثي وإحساسهما الجمالي بالتحديث حسب، بل تُسيء إلى تاريخهما وتظهرهما بمظهر من يتخذ من الشعر وسيلة غايتها الشهرة وليس البحث عما هو جديد.
وتساءلت :لكن أين الريادة والسبق من النبوغ في الشعر والعمق في الشاعرية؟ وكيف للتاريخ أن يذهب بجدوى الشعر، والشعر نفسه خالد لا ينضب نهره؟ ومهما مرت عليه العصور وتعاقبت الدهور، يظل مقاوما الزمان، بما يمتلكه من المابعدية واللانهائية التي ليس معها نفاد ولا انتهاء.
وتابعت: وهذا كله لا يهم مؤرخ الأدب، الذي يحكمه منطق الزمان ويسيطر عليه التاريخ، ولذلك يظل هدفه السبق والتبعية والقدم واللاحقية. فلا يعنيه سوى توثيق حياة الشاعر وتكون الأرشفة والتسجيل هما محط اعتباره، وقد قيّد عمله وحدد وظيفته في التاريخ، ناسياً فرادة الملكة الشعرية ومتاحاتها الجمالية. صحيح أن التاريخ له ميدانه مثلما أن للأدب ميدانه، فإن اجتماعهما معا يولّد نوعاً سردياً له في النقد الأدبي توصيفات جمالية وفنية كما أن لكتابته أسبابا موضوعية وذاتية، وظروفا عامة وشخصية، وأعني به المذكرات التي تنضوي إجناسيا في الرواية، بوصفها الجنس العابر على هذا النوع من الكتابة السردية. ونقديا تعد المذكرات من الأدب الشخصي وليس من أدب السيرة الذاتية، وإن كُتبت بضمير الشخص الأول وكان المؤلف هو نفسه السارد ،والسبب أن الذاكرة ليست معنية باسترجاع قصة الحياة كاملة، بدءا من الطفولة، وإنما هي انتقائية لما علق فيها من ذكريات.
وأوضحت: وإذا عددنا التاريخ والتوثيق أساسيين في كتابة المذكرات، فإن السياسة لها حضورها وخفاياها ودهاليزها أيضا، لاسيما في تاريخنا العراقي المعاصر، وهو ما يجعل لها ثقلها الخاص والنوعي في كتابة المذكرات الشخصية. وقد لحق بالسياب من جراء السياسة أذى كبير، لم ينله شاعر عراقي معاصر آخر، ودفع السياب ثمنه من صحته وشبابه لكن شاعريته ظلت في وقدتها متوهجة حتى آخر رمق فيه. ويتضح هذا الأذى في مذكرات عبد اللطيف اطيمش المعنونة (بدر شاكر السياب في أيامه الأخيرة) الصادرة عن دار جداول عام 2015، وقد أهداها إلى شاعر كويتي تكفل بحمل جثمان السياب من الكويت إلى مقبرة البصرة هو علي السبتي، محققا إحدى أماني السياب وهي أن يدفن في بلده.
وختمت : إن عبد اللطيف أطيمش شاعر عراقي، كتب هذه المذكرات بعد مرور خمسين عاما على وقوع أحداثها، وفيها إشارات ووقفات ذات صلة بوقائع مفصلية مهمة من تاريخنا الأدبي المعاصر، تدلل على ما للسياسة من فعل وحشي تجاه الشعر، لاسيما حين تبغض الشاعر وتقف حجر عثرة في طريق إبداعه، وقد تحول دون انطلاق طاقاته الكامنة والتعريف بموهبته الأصيلة. ولا شك في أن تأثير تلازمية السياسة والإبداع حتمي كقانون طبيعي قلما تكون له استثناءات؛ إذ كلما بغضت السياسة الإبداع كان المبدع هو الضحية، وكلما حابت السياسة المبدع كان الإبداع نفسه هو الضحية. ومن ثم يظل الإبداع الأصيل مكتويا بنار السياسة وسوطها اللاهب.



