الإمام الخميني والأبعاد الثورية للنهضة الحسينية

“إنّ كل ما لدینا من محرم وعاشوراء” بهذا یعبر أمیر البیان في زماننا الحاضر الإمام الخمیني العظیم”قدس سره” عن سر انتصار الثورة الإسلامیة ومصدر جمیع الانجازات التي تحققت على یده الشریفة فالإمام عالم وعارف وصاحب نظر سیاسي ثاقب یكاد لا یوجد له نظیر وفهمه الدقیق لعاشوراء هو الذي جعله ینتصر على أعدائه ویحقق بداية مشروع الدولة المهدوية حلم الأنبیاء فجعل شعار “كل یوم عاشوراء وكل ارض كربلاء” امراَ واقعاَ نشهده كل یوم فی إیران والعراق ولبنان وغزة الصامدة وما زالت امة الإسلام عامة والشیعة خاصة تعیش العز والكرامة بفضل هذا السید الجلیلفكل ما علیه الشیعة الیوم من عزة ورفعة هو من بركات ثورته الخالدة ولذلك فان فهمه الشریف لقضیة عاشوراء جدیرة بالبحث والدراسة وسنستعرض ثلاثة محاور حول عاشوراء من فكر الإمام الخمیني تمثل رؤیته – التي لا تجد لها نظیر – لبعض أهم الأمور حول الثورة الحسینیة:
المحور الأول: فلسفة الشعائر والمجالس الحسینیة وأهمیتها
الشعائر الحسینیة ومجالس التعزیة عند الإمام تكلیف شرعي یحیي أهداف الثورة الحسینیة وأهداف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ویحافظ علیها مع التحرز عن كل ما یوجب انحراف تلك الشعائر عن مضمونها والاجتناب عن كل ما یسیء للمذهب ویوجب الوهن له والابتعاد عن الإعمال التي تظهر الشیعة بشكل غیر لائق فیستغلها أعداؤهم لتشویه صورة المذهب وأتباعه فیقول (قدس سره) حول تكلیف القیام بالشعائر الحسینیة والحفاظ علیها من الانحراف والبدع التي تشوه هذه الشعائر:لذا يقول(قدس سره) عن إحياء الشعائر:”أحيوا ذكرى نهضة كربلاء والإسم المبارك للحسين بن علي (عليهما السلام) فبإحياء ذكراه يحيا الإسلام”،وعن تكليف الناس بالاحياء مع عدم التشويه يقول(قدس سره):”تكلیف الناس یقتضي أن یخرجوا في المواكب الرائعة ومواكب اللطم وطبعاً ینبغي أن یجتنبوا الأعمال غیر الصحیحة والمخالفات ولكن لتخرج المواكب ولتلطم الصدور..”،كذلك يقول (قدس سره):”واستعینوا بالله على المحافظة على المواكب وأقیموها بالشكل المناسب”،”علينا أن نحافظ على هذه السنن الإسلامية وينبغي لنا أن نحافظ على هذه المواكب الإسلامية المباركة التي تنطلق في عاشوراء في محرم وفي صفر وفي المناسبات ونؤكد الالتزام بها أكثر فأكثر فتضحية سيد الشهداء عليه السلام هي التي حفظت الإسلام”.وطبعاً يؤكد الإمام (قدس سره) أن مجالس العزاء هي امتداد لمجالس الأئمة الأطهار(عليهم السلام) لذا فهي مجالسنا وشعائرنا الدينية والسياسية لذا يجب إحياؤها إذ يقول:”ينبغي لكم أن تحافظوا على مجالس عزاء الأئمة الأطهار عليهم السلام فهذه المجالس هي شعائرنا الدينية التي يجب أن نحافظ عليها، وهذه المجالس هي شعائر سياسية أيضاً ينبغي المحافظة عليها”.ولا يفوت الإمام(قدس سره) بطبيعة الحال التنويه لموضع الاستمرارية فالشعائر بدون استمرارية تموت وتندثر،يقول(قدس سره):”ينبغي أن تستمر المجالس بإقامة العزاء، ينبغي أن نذكر المظالم كي يفهم الناس ماذا جرى بل إن هذا يجب أن يقام كل يوم، فإن لذلك أبعاداً سياسية واجتماعية غاية في الأهمية”.
وعن أهداف التعزیة یقول:
“من الضروري أن یتم التمسك بمراسم التعزیة..لكي یلتزم الناس بها برغم كل الضغوط والمصاعب ولا یدعونها وإلا فإن جهود الإمام الحسین بن علي(عليهما السلام) ستسحق بسرعة البرق الأمر الذي یؤدي إلى تلاشي واندثار جهود ومساعي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) التي بذلت لوضع أسس ودعائم التشیع”.
ویقول (قدس سره):”فالإمام الحسین ثار ومعه فئة قلیلة العدد من الأنصار ووقف بوجه إمبراطوریة كبرى وقال بصوت عال: لا؛فیجب أن تستمر حالة الرفض هذه،وأن تبقى هذه المآتم والمجالس هدفها أن تدوم هذه الـ “لا” كرمز لرفض الظلم”.
و في نصیحة له للخطباء یقول (قدس سره):”وأنتم أیضاً عندما تقرؤون المراثي وتطرحون الموضوعات وتذكرون المصائب وتدفعون الناس للبكاء اجعلوا هدفكم صیانة الإسلام والدفاع عن هیبته ومجده، إننا نرید أن نحافظ على الإسلام بهذه المراثي وبهذا البكاء وتلاوة الشعر والنثر،نرید أن نصون ما حفظه لنا الآخرون حتى الآن”.وتتويجاً لكل مقولاته ونصائحه يقول (قدس سره):”إن ثورتنا هي امتداد لنهضة الحسين عليه السلام وإنها تبع لتلك النهضة وشعاع من أشعتها”.
المحور الثاني فلسفة البكاء وإقامة المجالس للإمام الحسین”عليه السلام”
وهنا سنبين بعد نظر وفلسفة الإمام الخميني(قدس سره) وكيف ينظر للبكاء بنظرة أكبر من النظرة العاطفية اللحظية أو المرحلية،من ثم سنبين فلسفة إقامة المجالس والمراثي الحسينية.
أ ـ البكاء
یطرح الإمام رضوان الله تعالى علیه عدة أنواع للبكاء على الإمام الحسین(عليه السلام) لكل منها أهدافه:
ـ البكاء الفعّال
قد يظن البعض أن البكاء عمل سلبي لا أثر له في الصعيد العملي ولكن الإمام (قدس سره) يراه بكاءً فاعلاً وذا آثار عملية لذا يقول: “..لا يظنوا أننا مجرد “شعب بكاء” فإننا شعب تمكن بوساطة هذا البكاء والعزاء من الإطاحة بنظام عمّر الفين وخمسمئة عام”. إن هذا البكاء فعال في إحياء وإدامة النهضة الحسينية وعن ذلك يقول (قدس سره): “إن البكاء على الشهيد يعد إحياءً للنهضة وإدامة لها، والرواية الواردة “من بكى أو أبكى واحداً فله الجنة ومن تباكى فله الجنة” إنما تشير إلى أن حتى المباكي من شأنه إدامة النهضة وحفظها،وهذا يصون نهضة الإمام الحسين عليه السلام ويديمها”.
ـ البكاء السياسي
إن الإمام (قدس سره) أكد هذه الجنبة من الشعائر الحسينية أي ربط قضية البكاء بالسياسة ولا نستطيع نقل كل أقواله لذا سنورد بعضها يقول (قدس سره):”القضية ليست قضية بكاء فحسب،ليست قضية تباكي فحسب،إنما هي قضية سياسية فأئمتنا عليهم السلام يريدون ـ وعبر بصيرتهم وعمق رؤيتهم الإلهية ـ أن يوحدوا صفوف الشعب ويعبئوه بالطرق المختلفة لكي يصان من الأذى”،كذلك يقول(قدس سره):”..ولا تظنوا أن الأمر مجرد بكاء وحسب أبداً فالقضية سياسية اجتماعية ولو كان الأمر مجرد بكاء فقط فلم التباكي؟”.
ـ البكاء الموحد
فكرة جماهيرية الشعائر الحسينية جميعاً وكونها موحدة للأمة حول الأهداف العظمى مما لا يخفى إلى أي مدى ركز عليها الإمام (قدس سره) ولذا فقد جعل القدرة التوحيدية للشعائر الحسينية أحد أهم بركاته ولعل ذلك أن البعض كان ولا يزال يعدّ أنها تفرق الناس ولا توحدهم لذا يقول الإمام(قدس سره) عن هذا الأثر للبكاء:”لو بكينا على الإمام الحسين عليه السلام إلى الأبد فإن ذلك لن ينفعه شيئاً، بل ينفعنا نحن، وفضلاً عن نفعه لنا في الآخرة فإن له في الدنيا من المنافع ما ترون، فلا يخفى عنكم ما له من الأهمية من الناحية النفسية والدور في تأليف القلوب وانسجامها”.
ـ البكاء التعبوي
وهذا اثر غير خفي للبكاء على مصاب سيد الشهداء(عليه السلام) وعنه يقول (قدس سره):”ينبغي لنا أن نبكي على شهيدنا ونصرخ ونعبئ الناس بالوعي واليقظة…”.
وعن علة وصية الإمام الباقر (عليه السلام) لابنه الإمام الصادق(عليهم السلام) باستئجار من يندبه في منى في موسم الحج لعشرة مواسم يقول في علة ذلك: “.. إن المهم في منى، فحين يجتمع المسلمون في موسم الحج من كل أنحاء العالم ويجلس شخص ليرثي الإمام الباقر (عليه السلام) ويوضح جرائم مخالفيه وأعدائه وقاتليه لمدة عشرة أعوام ويستمع له الناس، فإن ذلك يؤدي إلى توجيه اهتمام الناس نحو هذا المنهج وتقويته وإثارة موجة من السخط والنقمة ضد الظالم..”.
ـ البكاء يصون الدين ويحفظه
يقول (قدس سره): “..وإنما البكاء وسيلة حفظ بها الدين،بل حتى التباكي يثاب المرء عليه، لماذا؟ لأنه هو الآخر يساعد على صون الدين”.
وفي معرض إجابته عن تساؤلات حول قيمة المجالس والبكاء يخلص إلى النتيجة التالية: “..وأخذت تتحول (أي الشعائر الحسينية) تدريجياً إلى وسائل لتحقيق الوقوف بوجه الحكومات التي كانت تجيء آنذاك هادفة القضاء على الإسلام وعلى أسسه الروحانية، وقد أخافت هذه المجالس والمواكب تلك الحكومات وأرعبتها”.لذا يؤكد (قدس سره):”..إن ثورتنا هي امتداد لنهضة الحسين عليه السلام وأنها تبع لتلك وشعاع من أشعتها”،”..إنهم يخافون من هذا البكاء بالذات لأنه بكاء على المظلوم وصرخة بوجه الظالم”،”..هؤلاء الذين يوحون إليكم بأنكم “شعب بكاء” فأسيادهم وكبراؤهم يخشون هذا البكاء..”.
ب ـ إقامة المجالس
وعن مجالس العزاء يبين الإمام عدة منافع لها منها:
ـ توفيق إلهي
وعن هذا يقول(قدس سره):”ندعو الله أن يوفق شعبنا لإقامة مراسم العزاء في ذكرى واقعة عاشوراء..”، “لتقم المآتم والمجالس الحسينية في أنحاء البلاد وليلقى الخطباء مرايثهم وليبك الناس”،ويقول (قدس سره):”لا يمكن إدراك عظمة الثواب المترتب على إقامة مجالس العزاء”.
ـ تنظيم لحركة الأمة
يرى الإمام (قدس سره) أن أوامر أهل البيت عليه السلام بإحياء مجالس العزاء إضافة إلى الأجر والثواب الكبيرين الذي ندبوا إليه يهدفون إلى ترابط حركة الجماهير ووحدتها لتنظيم هذه الحركة بشكل متجانس وموحد والاستفادة من ذلك لبناء هوية المجتمع السياسية.وعن ذلك يقول(قدس سره):”ولكنكم ترون كيف أن هذه المجالس والمواكب التي ربطت الجماهير ببعضهم، هذه المآتم التي حركت الجماهير يلتئم شملها من جميع الشرائح الاجتماعية المعزية بمجرد أن يصلح أمر يستدعي التجمع وليس في مدينة واحدة بل في كل أنحاء البلاد ودون الحاجة إلى بذل أو إعلام واسع النطاق. إن الناس يجتمعون على كلمة واحدة لمجرد أنهم يعتقدون أنها خرجت من فم الحسين سيد الشهداء عليه السلام”.
ـ المجالس بعد سياسي
وكما بينا بعد البكاء السياسي فإن للمجالس والمراثي بعد سياسي يقول (قدس سره)”إن هذا الثواب المخصص للبكاء ومجالس العزاء، إنما تضيء ـ علاوة على الناحية العبادية والمعنوية ـ على الأبعاد السياسية فهناك مغزى سياسي لهذه المجالس”،”طوال التاريخ كانت مجالس العزاء ـ هذه الوسائل التنظيمية ـ منتشرة في أرجاء البلدان الإسلامية وفي إيران صارت مهداً للإسلام والتشيع. أخذت هذه المجالس تتحول إلى وسيلة لمواجهة الحكومات التي توالت على سدة الحكم ساعية لاستئصال الإسلام وقلعه من جذوره والقضاء على العلماء. فهذه المجالس والمواكب هي التي تمكننا من الوقوف بوجهها واخافتها”. كذلك يقول (قدس سره):”إن المهم هو البعد السياسي لهذه الأدعية وهذه الشعائر”.
ـ تربية للمجاهدين والشهداء
وعن ذلك يقول (قدس سره):”إن هذه المجالس التي تذكر فيها مصائب سيد المظلومين عليه السلام وتظهر مظلومية ذلك المؤمن الذي ضحى بنفسه وبأولاده وأنصاره في سبيل الله هي التي خرجت أولئك الشبان الذين يتحرقون شوقاً للذهاب إلى الجبهات ويطلبون الشهادة ويفخرون بها، وتراهم يحزنون إذا هم لم يحصلوا عليها”.
ـ المجالس وصنع الثورة
وعن صناعة الثورة ببركة المجالس يقول(قدس سره):”..كان النظام السابق قد عمل على سلبه (الشعب) كل شيء وتقديمه للأجانب حتى أفقد البلد شرفه الإنساني،ثم فجأة حصل الانفجار الشعبي الذي تم ببركة هذه المجالس التي عمت البلد من أقصاه إلى أدناه تجمع الناس وتوجهت أنظارهم إلى هدف واحد”.
المحور الثالث: عاشوراء مفهوم عام “كل یوم عاشوراء وكل أرض كربلاء”
قد یتصور بعض أصحاب النظر القصیر أن قضیة الحسین(عليه السلام) مجرد أمر حصل وانتهى وتكلیفنا هو فقط تذكر الأمر كما یقیم أي شخص ذكرى لوالده المتوفى في كل سنة ولكن هذا النظر سیؤدي إلى القضاء على الثورة الحسینیة لأنه یفرغها من محتواها الحقیقي ویجعلها مجرد ذكرى وطقوس لا تغیر شيئاً ولا تحدث أثرا أما الإمام(قدس سره) فیرى أن قضیة الحسین(عليه السلام) هي مفهوم عام له مصادیق مختلفة فجمیع الثورات ضد الظلم والطغیان هي من مصادیق ” عاشوراء وكربلاء” ولكن سمیت هذه القضیة العامة ب” عاشوراء وكربلاء” لأنها أعظم المصادیق كما سُمي أمیر المؤمنین في القرآن ب”المؤمن” وذلك لأنه أشرف المصادیق لا انه المصداق الوحید فأصحابه أیضا مؤمنون وهذا الفهم الخمیني الثاقب للقضیة الحسینیة مستنبط من روایات أهل البیت(عليهم السلام) في موارد مختلفة منها على سبیل المثال قول أمیر المؤمنین(عليه السلام) فی نهج البلاغة:”كلّ یوم لا یعصى اللّه فیه فهو عید” فالعید مفهوم عام ینطبق على كل یوم فرح وإن اختص الاسم ببعض الأعیاد لأنها اشرف المصادیق وكل یوم لا یرتكب فیه الإنسان معصیة جدیر بان یكون یوم فرح فهو مصداق للعید بل ویعتقد الإمام الخمیني(قدس سره) أن مضمون هذا الشعار أمر صادر من الإمام الحسین فیقول:”إن منهج الإمام الحسین (سلام الله علیه) وأوامره الموجهة للجمیع “كل یوم عاشوراء وكل أرض كربلاء” تقضي بأن نستمر في الثورة والقیام والنهوض، امتداداً لتلك النهضة وذلك المنهج، فالإمام الحسین(عليه السلام) ثار ومعه فئة قلیلة العدد من الأنصار، ووقف بوجه إمبراطوریة كبرى وضحى بكل شيء من أجل الإسلام،وأكد: أنه ینبغي أن یستمر هذا الرفض والقیام في كل زمان ومكان.
و حول توضیح مفهوم هذا الشعار العظیم یقول(قدس سره):”إن مقولة “كل یوم عاشوراء وكل أرض كربلاء” مقولة كبرى لكنها تُفْهَمُ فهماً خاطئاً، فالبعض یتصور أنها تعني أننا ینبغي أن نبكي كل یوم، لكن محتواها غیر هذا.
لو نظرنا ما دور كربلاء عامة، وما دور كربلاء في یوم عاشوراء؟،حینذاك ندرك أن على كل أرض أن تكون كذلك، أن تمارس دور كربلاء الذي یتلخص في أنها كانت میداناً خاض فیه سید الشهداء غمار الحرب ومعه ثلة قلیلة من الأنصار، فصمدوا وقاوموا ظلم یزید وتصدوا للحكم الجائر لذلك العصر وضحّوا وقتلوا،ورفضوا الظلم وهزموا یزید ودحروه.
هكذا ینبغي أن نكون،كما و ینبغي أن یحصل ويتجسد هذا الرفض للظلم في كل یوم،بأن نعد أن كل أرض يقاوم فيها الظلم كربلاء،وكل يوم يقاوم فيه المستكبرون الظلمة يوم عاشوراء.




