ثقافية

الإمام الحسين «عليه السلام» في الشعر العربي المعاصر

opi

حيدر الجراح    2-3

يأخذ الحسين(ع) موقعاً متميزاً في مسيرة الشهادة من وجهتي النظر التاريخية والفنية، وتحضر كربلاء رمزاً للأسى والجراح والحزن والندم، وقد اخذ الرمز ببعديه التاريخي والشعبي حيزاً في جملة من القصائد، واصبح النداء باسمه إشارة رمزية للغضب والحزن والشهادة في أعلى أبعادها الدينية والشعبية معاً في سبيل الموقف، بل وصار رمزاً لخذلان الثائر العظيم من مؤيديه..
وفي مأساة الحسين بعدّها من المآسي الكبرى تقع ـ كما يقول جبرا إبراهيم جبرا ـ (أنواع شتى من مآسي الإنسان في جو القيظ والعطش والقسوة والقتل الجماعي وحز الرؤوس، هناك مأساة الجنون البشري، ومأساة الخيانة، ومأساة القتل المجاني، وكذلك مأساة المروءة والفضيلة.. الحسين اكبر من الحياة، ولعله لكبره وعلوه خارج الدائرة التي يمكن للمرء ضمنها أن يتوحد مع البطل رغم تطلعه إليه ولذا يكون التعبير الفني عنه قاصراً على مداه الفاعل) صورة الحسين حاضرة في بعض قصائد عبد الرزاق عبد الواحد، ومنها ألواح الدم التي يستدعي فيها الحسين ويجعله نداءاً عظيماً يهتف به:
يا حسين
إن للصمت في أرضنا آيتين
أن يكون كريماً، عظيماً، رحيماً، كصمتك
ممتلئاً بالمروءة، ممتلئاً بالنبوة، ممتلئاً بالنشوز
غبشاً يتوسط بين انتهاء الحياة وبدء القيامة
وعليه علامة
انه مفعم بالحضور.. أو يكون كصمت القبور..

ويأخذ رمز الحسين موقعاً عميقاً في بعض قصائد شوقي بزيّع، فهو الرمز الضدّ لكل ما هو سائد ومهزوم، إن توحّد راس الحسين بجسده من جديد يعني عودة الحياة إلى نقائها ويعني بعث الحياة من جديد..
سيأتي زمان الولادة
والفصل بين الخلافة والسوط
شيء يعيد الملايين بعض إله
ويقذف في الصدر نارا
ويرجع راس الحسين وجسم الحسين سويّا..
أما عند أمل دنقل فأن حالة كربلاء وعطش الحسين تصبح رمزاً لسؤال كبير في الورقة السابعة من قصيدته (من أوراق أبي نؤاس) حيث يقف الشاعران (أبو نؤاس ـ أمل دنقل) أمام ظمأ الحسين، أمام جرعة الماء التي مات ولم تمنح له.. انه الموقف الحق الذي يُستباح لان ضعاف النفوس يعميهم الذهب:
كنتُ في كربلاء
قال لي الشيخُ إنّ الحسين
مات من أجل جرعة ماء
وتساءلت: كيف السيوف استباحت بني الاكرمين
فأجاب الذي بصّرته السماء
إنه الذهب المتلألئ في كل عين
… مات من أجل جرعة ماء
فاسقني يا غلام صباح مساء
اسقني يا غلام
علّني بالمدام
أتناسى الدماء.
ويستدعي قاسم حداد الحسين ليكون راية السائرين في زمان الشاعر نحو هدف أعلى في قصيدة يرسم فيها ملامح الثورة وأزمتها في الواقع العربي المعاصر… ويعطي القصيدة عنواناً دالاّ هو (خروج راس الحسين من المدن الخائنة):
نسير ونعرف كيف نشق التراب، ونبذر داخله
كيف نحزّ الرؤوس ونزرعها عبر كل العصور
فنحن الحسين المسافر من كربلاء
ورأس الحسين الممزق بين دمشق وبين الخليج
ونحمله نستريح على سورة المومياء.
ويضمّن قاسم حداد في القصيدة نفسها، عبارة السياب من قصيدة (أنشودة المطر) وهي (ما مر عام والعراق ليس فيه جوع) ويضع كلمة (الخليج) محل كلمة (العراق) ويطوّع الرمز:
ويستقبل الجوع راس الحسين، ويفتح باب الحريق
ليدخل راس الحسين.
آنذاك تقام سرادق الأعراس وتصير البلاد عروساً لها ألف طفل، وتنهّد جدران المسافات، ويحمل الجمع رأس الحسين (الرأس هنا رمز الثورة، والتوحّد بالجسد غير وارد)، فالثائرون يحملون راس الحسين ويسيرون إلى مدن النار وتبدأ الثورة في الخليج..
وهذه القصيدة ذات بناء يتنامى فيه غضب ورؤية لزمان قادم، مستمدة من وعي بالرمز الأصــل، وهو راس الحسين الذي حمل إلى عبيد الله بن زياد ثم إلى يزيد بن معاوية: راس الحسين الذي يتحول إلى راية في زمن آخر احتجاجاً على الظلم والموت والحيرة والقلق..
وهناك نص هو (العودة إلى كربلاء) لاحمد دحبور، وهو معاول للإنسان الفلسطيني الذي ووجه بالخذلان، وادخل إلى نار المذبحة، وفار دمه ودم أهله، كما فار دم الحسين واهله في كربلاء.. إن الرمز هنا لكربلاء الفلسطينيين: الأسى والعطش والحصار والغضب والمأساة.. انه البحث عن ماء في زمن العطش، لقد وصل إلى كربلاء رغم الطرق المغلقة، ورغم مشقة الطريق آملاً أن تكون البداية، ووجد الحسين نفسه وحيداً في المواجهة بينما تقاسم الآخرون أسرارهم وثمر النخيل.. انهم الذين خذلوا الفلسطيني المعاصر:
شاهدتهم، ومعي شهودي
أنت، والماء الذي يغدو دماً
ودم لديهم صار ماءْ
والنخيل
شاهدتهم ـ عين المخيم فيّ لا تخطئ ـ وكانوا:
تاجراً، ومقامراً، ومقنعاً، كانوا دنانير النخيل
ودخلت في موتي وحيداً أستحيل
وطناً، فمذبحة، فغربة..
يا كربلاء، تفور فيّ النار،
أذكر كيف تنقلب الوجوه.
وحضور الرمز هنا استدعاء مباشر ليقول من خلاله ما يريد، وهو رمز لا يحتاج إلى بناء مركب في مثل هذا النص المباشر أيضا، أي الذي يريد صاحبه الاحتجاج من خلاله على القتل، ويريد أيضاً أن يتحول الدم ـ كما تحول دم الحسين ـ إلى محرّض، ودعوة لثورة مستمرة، لخروج الماء من أرض كربلاء لتروي عطش الحسين:
آتٍ على عطش وفي زوادتي ثمر النخيل
فليخرج الماء الدفين اليّ.. وليكن الدليل..
ومن صور توصيف مأساة مقتل الحسين وما حلّ بأصحابه واهل بيته مقطع من قصيدة لحميد سعيد يشير فيها إلى فلسطين، إذ يمزج بين حزن النساء على فلسطين، وبين حزنهن التاريخي على الحسين وهو حزن بنات الحسين:
…وفلسطين لما تزل في دمي
شغف
النساء تحدثن عنها.. بكين.. وقلتُ:
لعل فلسطين واحدة من بنات الحسين.
هذه أمثلة من قصائد وظفت كربلاء ومأساة الحسين وأهله في محاولات من الشعراء للتعبير بها عن أبعاد مأساة العربي المحاصر: بين حدّي الظمأ إلى الحرية والتقدم، وقيد السلطة وظلم الولاة/الحكام..
ويمكن اعتبار تعامل (أدونيس) مع تجربة الحسين من التجارب العميقة في توظيف المأساة، ففي (مرآة الرأس) يقدم حواراً بين رجل وزوجته، فقد احتزّ الرأس وعاد إليها يبشرها بمال الدهر، لكنها ترفضه عند ما تعرف انه عاد برأس الحسين:
أبشري،
جئتك بالدهر، بمال الدهر
ـ من أين، وكيف، أين؟
ـ برأسه…
ـ ويلك يوم الحشر
ويلك لن يجمعني.. طريق أو حلم أو نوم
إليك بعد اليوم
وهاجرتْ نوّار..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى