مسرحية “طرطوف” أغرب حكايات الصراع بين الفن والرقابة

المراقب العراقي/ متابعة…
لعل حكاية مسرحية “طرطوف” للكاتب الفرنسي موليير كانت واحدة من أغرب حكايات الصراع بين الفن والرقابة حين تجابهت معها، وخرجت خاسرةً بعد ساعات من عرضها أمام الملك وعلية القوم دون أن يشفع لها إعجاب ملكي جعل لويس الرابع عشر يقهقه كما لم يفعل من قبل، ولا فعل من بعد. غير أن ذلك “الملك – الشمس” نفسه، والذي ازدهر المسرح الفرنسي في زمنه ازدهاراً استتثنائياً وقد لمع فيه الثلاثي المدهش، كورناي وراسين في المسرح التراجيدي/ التاريخي، وموليير في المسرح الاجتماعي الهزلي، بين آخرين، كان هو من اتخذ قراره بمنع المسرحية بعد ذلك العرض الأول مجبراً كاتبه المفضل على إعادة كتابتها مرتين أخريين، ولكن سيقول لخلصائه إنه إنما فعل ذلك بغية “إنقاذ” موليير من براثن عديد من قوى الضغط التي انتفضت ضد المسرحية، وكادت توصل مؤلفها إلى السجن على الضد من الإرادة الملكية التي كانت تريد أن تكلله بالغار. وهنا بالتحديد تكمن غرابة الحكاية من ناحية، ولكن حقيقة منطق السلطة من ناحية ثانية.
فالواقع أن من تصل هذه الحكاية إلى أسماعه اليوم قد ينظر بدهشة إلى ملك فرنسا وهو يذعن لضغوط اجتماعية ويضطر إلى التضحية بواحد من كبار كتاب البلاد فيما الناس ينظرون إليه على أنه حاكم مطلق لا تعلو إرادته إرادة، فتكشف عنه هذه الحكاية مساوماً ضابطاً للإيقاع متناسياً مسرّاته الفنية الشخصية كيلا يخسر قطاعات عريضة من الجمهور يمكن لجمعيات الضغط تأليبه.
ومن هنا قد يتوجب علينا أن نذكر كيف أن موليير نفسه اضطر لكتابة، وإعادة كتابة، مسرحيته مرات عديدة كيما يتمكن من تقديمها، إذ في كل مرة كانت تقدم، كان أهل الجمعيات أو “التقوى” أو حتى أهل البلاط وأصحاب المصالح والمشارب المتنوعة والمختلفة يصرخون زاعقين مطالبين بمنع المسرحية! كذلك لا بد من أن نذكر تلك الحكاية التي تقول لنا إن الملك نفسه، الذي كان محباً لفن موليير راعياً له، حامياً لفرقته، شاهد “طرطرف” في نسختها الأولى في عام 1664، واستمتع بها كثيراً وضحك أكثر… ولكنه في اليوم التالي وجد نفسه يأمر بمنعها. لماذا؟ بكل بساطة لأنها أثارت غضب جمعيات الجانسينيين، الذين كانوا – كما أشباههم في كل مكان وزمان وفي كل المجتمعات قديمة كانت أو جديدة – عينوا أنفسهم بأنفسهم حماةً للأخلاق في المملكة، كما أثارت غضب غير تلك الفرقة من الفرق الدينية التي كانت تعمل في الخفاء، لكن نفوذها كان يطاول كبار رجال الدولة. وهكذا اختفت المسرحية كما صاغها موليير في المرة الأولى، من دون أن يعثر لها على أثر، كما اختفت أجزاء كبيرة من المسودات والمحاولات “التصحيحية”.



