ثقافية

“تحت سماء كوبنهاغن” أهمية الدين والوازع الأخلاقي في الغربة

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

ترى الكاتبة  الجزائرية نور الهدى غولي ان”تحت سماء كوبنهاغن” تمثل وجع الغربة الذي يصاب به الانسان المغترب ، مبينة ان في الرواية أيضا إشارات لأهمية الدين والوازع الأخلاقي والرصيد الشعبي المشترك كجزئيات يمكنها أن تدعم المهاجرين المختلفين الذين تركوا الوطن، كحال إجباري في أغلب الأحايين.

وقالت غولي في قراءة نقدية خصت بها (المراقب العراقي): كيف يمكن للاغتراب أن يخلق كل ذلك الاختلاف بين أبناء الوطن الواحد، وهل يستطيع المهاجرون أن يتكئوا على الإرث “الوطني” المشترك لإرجاع تلك “اللحمة” التي تجمع فيما بينهم أكثر مما تفرّق؟ وهل يمكن لصوتين روائيين مختلفين في النص (ذكري وأنثوي) أن يتمكنا من إيصال هواجس المغتربين من جيلين مختلفين؟

وأضافت : ان هذه بعض الهواجس التي تناولتها الكاتبة العراقية المغتربة حوراء النداوي في روايتها “تحت سماء كوبنهاغن” الصادرة عن منشورات دار الساقي اللبنانية، وحتى وإن بدت بطلة الرواية “هدى” تحمل الكثير من الشبه بالروائية إلاّ أن الكاتبة تنفي عن الرواية طابع السيرة الذاتية، وتعتبر أن حكاية هدى هي حكاية الاغتراب والمراهقة المتقلبة والمشحونة برصيد هائل من المساءلة والحيرة والتغيرات التي يفرضها حال الوطن البديل.

وتابعت :يلتقي القرّاء “تحت سماء كوبنهاغن” بصوتين متناغمين رغم اختلافاتهما. “هدى” المراهقة التي أحبت شخصا يكبرها وظلت تلاحقه بطرق مكشوفة ومستترة، هي الفتاة التي ولدت بالدانمارك لأبوين عراقيين، وصوت “رافد” الرجل الذي اضطرته الظروف الصعبة إلى ترك العراق واللجوء إلى هدوء ودلال البلاد الإسكندنافية.

وأوضحت :تبدأ الحكاية مع الرواية التي قدمتها هدى لرافد لكي يترجمها، يستغرب هو ذلك كونه ليس كاتبا ولا مترجما محترفا، وسرعان ما يجد نفسه مغموسا في الرواية وفي تفاصيل شخصيتها البطلة وحتى كاتبتها “راحة البال هذه لم تكتب لنا نحن كعراقيين، ولأن أمي امرأة عراقية أصيلة فإن راحة البال هذه لم تكتب لها قط، فولدت ذكرا جديدا، ثم آخر. وما إن اشتد عود أحدهما حتى قتل..”. هكذا يحكي رافد هامش حياته الذي يلتقي فيه بحكايا آخرين. هو الفقد العراقي الذي سكن جذور العائلات والعشائر والوطن.

وبينت :لبطلة الرواية هدى وجع آخر يسكن العائلة. هو شقيقها عماد الذي تركه والداها فترة هروبهما من العراق خوفا عليه من سوء يمسه، يبقى هناك ولا يلتحق بهم مغتربا إلا شابا. ويأتي بكل زخمه العراقي المختلف في الذهنية والتصرف والمزاج، ينبت هكذا فجأة بينهم محدثا تغييرا نفسيا هائلا بداخل أخته الصغرى وترتفع غصة الاغتراب اللاإرادي الذي كان من نصيب الكثيرين في الرواية، وأبدعت الكاتبة  حوراء النداوي في تصوير حافاته الخاصة “لأنني عراقي مغترب، فلست بحاجة إلى سرد قصة ما. بين هجر الوطن وطريق الغربة العاثر ثمة ما يصل العراقيين بعضهم ببعض، فكل تجاربهم وقصصهم وأحلامهم تتشابه، ما إن يوضعوا على هذا الطريق. ولعل البعض يقع إعياء، فيما البعض الآخر يتابع بمثابرة نادرة، وغيرهم يحلم بالعودة ولا يعود، فيراوح مكانه..”.

وأكملت : حتى وإن كانت الرواية بصوتين، إلا أنّ صوت هدى كان أكثر رسوخا وحضورا من صوت رافد. كانت الأجزاء المترجمة لرواياتها تتدافع جزءا خلف الآخر كاشفة عن انطباعات وأفكار كثيرة. فيما ظلّ مونولوغ الصوت الآخر لرافد مختصرا وإن كان مكثفا، وقد نجحت الروائية في اللعب على الهويتين المختلفتين: مراهقة ورجل.

وواصلت : استخدمت الروائية العراقية حوراء النداوي في ذلك لغة شاعرية محببة، وكشفت عن تمكنها من أسرار اللغة بكل تموجاتها، وهو ما يبدو أمرا محفزا بالنسبة لشخص تعلم اللغة الفصحى في المنزل فقط “لعل الغربة تعطيكَ كثيرا حين تكون فردا، وتأخذ منك أكثر حين تصبح جماعة”. هو نموذج من تفكيكات لواقع اغتراب تعيه جيدا الكاتبة والشخصية المحورية في النص.

وختمت :هناك في الرواية أيضا إشارات لأهمية الدين والوازع الأخلاقي والرصيد الشعبي المشترك كجزئيات يمكنها أن تدعم المهاجرين المختلفين الذين تركوا الوطن، كحال إجباري في أغلب الأحايين. وهنا ترتفع غصة الاغتراب اللإرادي الذي كان من نصيب الكثيرين، وأبدعت الكاتبة العراقية في تصوير حافاته الخاصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى