سحر النقل السردي في “ما لم تمسسه النار”

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد يوسف عبود جويعد أن الحركة السردية ومجرياتها , وتفاصيل الاحداث التي لم أمر عليها تاركاً اياها للمتلقي , في رواية “ما لم تمسسه النار” للروائي عبد الخالق الركابي تحمل من المتعة وسحر النقل السردي ما يفوق التصور كون الروائي صب خبرته الطويلة ليقدم لنا رواية بمصاف الروايات العالمية.
وقال جويعد في دراسة نقدية خص بها (المراقب العراقي) : لم تكن رواية ( مالم تمسسه النار ) للروائي عبد الخالق الركابي, ذات مبنى سردياً هيناً او سهلاً كما اعتدنا ان نطالع ضمن الاصدارات الكثيرة للرواية , بل أنها صيغت بحنكة وحكمة وخبرة تجلت واضحة من خلال سبر اغوارها ومعرفة كنهها, واكتشافنا لروح التجريب والتحديث فيها كونها واكبت حركة التطور في مسيرة الرواية العراقية والعربية والعالمية.
وأضاف :استطاع الروائي ان يمتطي صهوة هذا التقدم السريع في السرد, حيث عمد الى الاسلوب المتداخل لمبنى السردي, فسرعان ما نكتشف اننا مع مسارين متوازيين متلازمين في نقل الاحداث وهما, السيرة الذاتية الواضحة لحياة الروائي المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمسار الثاني وهو الرواية داخل متن النص , وتتمثل بحياة نديم المركبة المعقدة , وهي شخصية صعبة استطاع الروائي أن يرسم ملامحها بشكل مبهر, مستخدما في كلتا المسارين لغة سردية ملتصقة برفد أدق التفاصيل داخل المبنى السردي, لافتاً من خلالها انتباه المتلقي الى اهمية تلك التفاصيل الصغيرة والدقيقة والتي لم ينتبه اليها معظم كتاب الرواية , حيث انها ساهمت في تماسك وشد الاحداث وديمومة الحركة المتصاعدة المتواترة التي تسحب المتلقي بسحرها ليهيم في عالم الاحداث اضافة الى سعة مساحة الاحداث وعمق فضائها الشاسع , حيث نعيش اجواءها في اماكن مختلفة, بغداد,بدرة , مهران , في زمن الحصار الذي فرض على البلد والحرب التي شنت من قبل الامريكان.
واشار الى ان الروائي تمكن من ان يزجنا في هذه الاحداث المحتدمة بكل وضوح , وبرؤية سردية مكنتنا من متابعة الاحداث دون تلكؤ , حيث قصف الطائرات العملاقة على البيوت الآهلة بالسكان, والانفجارات والجوع والتقشف الذي سببه هذا الظرف الصعب الذي عاناه كل من عاش في هذا البلد, وتدور احداث الرواية ومن خلال السيرة الذاتية للروائي أي المسار الاول, الى السفر الى بدرة الموطن الاصلي للروائي, وكانت مهمته اكتشاف حياة نديم , وكتابة رواية عنه, وبعد ان يلتقي بنديم ويقنعه بضرورة تدوين حياته الغريبة وهي مدعاة لضمها بين دفتي رواية .
واستطرد :وهكذا فأن الروائي من خلال السيرة الذاتية المواكبة لحركة الرواية داخل متن النص, اصر على ان تكون حياة نديم في رواية الا أن الاخير رفض ان تكتب رواية عنه الا في الدفتر الذي يحمل كل اسراره , فأنصاع الروائي لرغبته وكتب عشرة فصول عن حياة نديم حافلة بالاحداث الشيقة ضمها الدفتر الذي ظل مع نديم الا أن بقاءه داخل دفتر نديم وعدم كشفه , لم يثن الروائي عن متابعته لصناعة الرواية , حيث انه استطاع ان يدون تلك الفصول داخل المبنى السردي للرواية كون تلك الفصول التي كتبت في دفتر نديم هو من كتبها, وليس من العسير ضمها ضمن الاحداث السردية للرواية , وهكذا فأننا نكتشف هذا التداخل المركب الجميل بين المسارين, السيرة الذاتية المتمثلة بحياة الروائي ومعاناته, وقسوة تلك الفترة الصعبة, حيث يضطر الروائي الى حمل كتب من مكتبته التي تعتبر من اهم ما يملك المثقف وبيعها في بسطية في شارع المتنبي من اجل توفير لقمة العيش , مع هذا فأنه ظل يتابع حياة نديم والحصول على الدفتر من اجل تدوين بقية فصول الرواية , كون ان تلك الفترة كانت قاسية على العراقيين, وكانت المشفى لا تستطيع توفير الغذاء والدواء للمرضى , وتم اطلاق المجانين بين المدنيين لاجل ابقائهم احياء , وكان من ضمن هؤلاء نديم بطل الرواية, وكانت عملية البحث عنه مضنية وشاقة.
وأكمل :من الواضح ان الروائي ملم بكل اطراف صناعة الرواية ابتداءاً من بنية العنونة, مالم تمسسه النار, التي نكتشف انها ملتصقة بمسار المبنى السردي للاحداث, وسنكتشف اسباب اختياره لهذا العنوان في نهاية الرواية , كما انه عمد كنوع من التجديد والحداثة الى ترقيم فصول السيرة الذاتية , بينما لجأ الى عنونة فصول الرواية أي حياة نديم داخل متن النص حيث ان فصول السيرة احد عشر فصلا , بينما كانت عناوين فصول الرواية , أين انا , أيها الاعسر الابله وهي اشارة الا ان بطل الرواية كان اعسر, باقة ورد على قبر, فريد عمران, قتلت اباك, مهران , النظرة الزجاجية, عار الاسرة , هاجر , عين الشيطان, القتل غرقاً , وهي متناوبة أي فصل للسيرة وفصل للرواية, ومتساوية في العدد,
وختم :أن الحركة السردية ومجرياتها , وتفاصيل الاحداث التي لم أمر عليها تاركاً اياها للمتلقي , تحمل من المتعة وسحر النقل السردي ما يفوق التصور , مما يجعل المتلقي يمني النفس بعدم الانتهاء منها , كون الروائي صب خبرته الطويلة في هذا المجال ليقدم لنا رواية, هي حقاً ودون مبالغة او مغالاة بمصاف الروايات العالمية , حيث حملت مقومات نجاحها وارتقت الى مستوى الحداثة في الطرح لهذا الجنس الأدبي الإبداعي الصعب.



