ثقافية

“أنياب تلتهم الظلام” غرائبية الجنوب العراقي في سرد روائي رمزي

 

المراقب العراقي / علي لفته سعيد ..

في روايته الثانية التي حملت عنوان “أنياب تلتهم الظلام” يناقش الروائي سعد الأزرقي واقع الأهوار والمدن الجنوبية العراقية وريفها، معيدا عقارب التاريخ لمنتصف الثمانينيات في ايام الحرب مع إيران حيث تتحصّن قوى المعارضة ضد النظام الصدامي في القصب والبردي بالأهوار وفي التسعينيات حيث يطبق الحصار القاتل على العراقيين.

الروائي سعد الأزرقي يقول عن روايته في تصريح خص به (المراقب العراقي): إنها” تحاول رسم صورة أخرى لواقعنا الذي نعيشه”، وهو واقع “جعل كل شيء في الاتجاه المعاكس الذي يخالف تطلعات المجتمع وحياته”.

واضاف أنها “رواية بعدسة تصور الموجب لواقع سالب والعكس صحيح، ولهذا ربما تكون ردّة فعل لما يعيشه الإنسان العربي والعراقي بوجه الخصوص”.

وعن أحداث الرواية يقول الأزرقي إنها” تدور في ميسان وبالتحديد في إحدى قرى الميمونة (قضاء تابع لمحافظة ميسان) أيام الحصار الاقتصادي الذي فرضته أميركا”.

وتابع: أن شخصيات الرواية تنقسم إلى قسمين “الأول هم الشيوخ ويمثلون السلطة وما يحصل بينهم من مؤامرات وصراعات، والثاني الناس الأخيار وهم يحاولون التخلّص من هذه الصراعات” .

ويفكك الأزرقي الحكاية وشخوصها فيقول “بطل اسمه عباس وهو ابن رئيس قبيلة عراقية وصلته أخبار الحرب في سوريا وأخذته شهامة العرب في الدفاع عن الوطن، ولمّا كان حينها ابنه عباس فتى أو صغير السنّ، قرّر الأب الذهاب إلى سوريا”.

وقبل ذهابه للحرب عام 1973 أوصى أخاه أن ينوب عنه في رئاسة القبيلة إلى حين عودته، لكنه استشهد هناك ليواصل أخوه رئاسة القبيلة إلى حين يكبر ابنه عباس ويسلمه الأمانة”، ويمضي بقوله إن” الأخ لم يلتزم بالوصية وسلمها لابنه منصور بدلا من ابن الشهيد عباس ليبدأ الصراع على السلطة”، وهو صراع يرمز لصراع أكبر.

وعن وجود الذئب في العنوان يقول الأزرقي “تروي الأحداث أن ذئبا أسود كان يهاجم القبيلة كل ليلة فيأخذ منها ما يريد إلى التلال الوعرة المتاخمة لتلك القبيلة إلا أنه لا يهاجم الأطفال”، ويضيف الروائي أن “الرمزية واضحة، وهو ما حاولت الاشتغال عليه كي لا تكون مباشرة في تدوينها”.

تتحدّث الرواية عن فترة ثمانينيات وتسعينيات القرن الـ20 الماضي، ويقول الناقد العراقي يوسف عبود جويعد في تصريح خص به (المراقب العراقي): إن الروائي “وضع متلقّيه في خضم أحداث ملتهبة ساخنة، إذ سرعان ما ننتقل إلى القرية وهي متاخمة للأهوار، مما يسمح للحيوانات المفترسة بالدخول إلى القرية لتصطاد فرائسها”.

ويعتقد أن الروائي أجاد بإدارة دفّة الأحداث عبر مسارين؛ “الأول، الخلاف الذي حصل على من يكون الشيخ”، والمسار الثاني “هو الوحش المخيف المرعب الذي ينقض على القرية ليلا فيفترس الشاة والنعاج والعجول، ويهدم البيوت ويثير الرعب ليكون الشغل الشاغل للجميع”.

ولهذا يرى أن حركة بناء النص “تتطلب احتواء واحتضان الأحداث وإدارتها بشكل تصاعدي متواتر”، كما يرى أن الروائي “حافظ على العناصر والأدوات التي تستخدم في فن صناعة الرواية لمثل هذه المادة التي تتطلّب قيادة متقنة”.

ولهذا فإن عملية الإمساك بالنسيج السردي -كما يرى جويعد- تحتاج إلى “السيطرة على الأحداث وعدم السهو عن أية شارد أو واردة فيها”.

ويقول الشاعر والكاتب حسين السياب عن الرواية في تصريح خص به (المراقب العراقي) إنها “رواية تمازج بين الواقعية الرمزية وكذلك الغرائبية الواقعية”، وأضاف أن الروائي “احتاج إلى تفعيل المخيلة وجعل الرمز هو الأكثر ولوجا بين طيّات الواقع”.

ولفت إلى أن طريقة سرد الرواية تحمل أسلوبا “لا يجيده إلّا الحكواتي البارع في حرفته، وهو يغوص في الظلام والحزن الذي طال الجميع”.

وعن طريقة التدوين قال السياب إن “من يقرأ الرواية سيصاب بالرعب الذي رسمه الروائي وهو ما يعني أنها حكاية مليئة بالتشويق والخوف والفرح في آن واحد”

وتأتي هذه الرواية واحدة من الروايات الواقعية، وفق ما تقوله الأديبة والناقدة التونسية محبوبة خمّاسي؛ إذ تتكون من 13 فصلا، وفيها الكثير من التشويق، حيث يجد المتلقّي نفسه مجبرا على تناول الرواية والسفر بين كتاباتها لمعرفة أحداثها وربطها بالعنوان “أنياب تلتهم الظلام”.

وتعتقد الناقدة خمّاسي أن مخالب الذئب هي الأنياب التي تلتهم الظلام، وتصف الروائي الأزرقي بأنه “قدّم دراما اجتماعية رائعة في مزيج غير مسبوق ليحدّثنا عن جانب اجتماعي سياسي وآخر أخلاقي في روايته هذه التي اختلف جنس أبطالها بين البشر والحيوانات”.

وتتساءل خماسي “أليست مفارقة هي الأخرى أن نتعظ بسلوك الحيوان لنعدّل من سلوكنا أو لنقيّم أنفسنا؟”، وتضيف “الرواية نقلت لنا أحداثا بين الحرب والسّلم بتشويق الكاتب المتمرّس والوطني الذي اكتوى بنار الحرب التي يقوم بها السياسيون والخاسر الأول فيها دوما هو الإنسان”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى