هل توفّر المساعي الأوروبية غطاءً جديداً لـ”الاحتلال” في العراق؟

المراقب العراقي/ المحرر السياسي…
مع تصاعد حدة المخاوف الغربية من صعود طالبان بعد الانسحاب الأميركي المذل من أفغانستان، انعكس ذلك على الواقع السياسي العراقي، حيث تسعى الولايات المتحدة ودول أوروبية إلى إيجاد مقاربة للوضع الأمني بين البلدين، إلا أن هذا المسعى ما يزال بعيد المنال نظراً لامتلاك العراق “أعتى قوة عقائدية في المنطقة”.
وما تزال فصال المقاومة الإسلامية وقوات الحشد الشعبي، تُشكّل مصدر قلق مزمن لـ”الاحتلال” الأميركي، لاسيما بعد إفشال أكبر مخطط له كاد أن يُطيح بالعراق، عندما اجتاح تنظيم “داعش” الإرهابي محافظات ومدناً عراقية عدّة عام 2014، قبل أن يستعيد العراقيون السيطرة على أراضيهم مجدداً من قبضة الإرهاب، الذي تستمر أميركا ودول خليجية بتمويله وتسليحه.
وفي خضم ذلك نشرت وسائل إعلام مؤخراً، أنباء تتحدث عن مقترح عُرض على العراق، يفضي بتوطين لاجئين أفغانيين في الأراضي العراقية، مقابل امتيازات تحصل عليها بغداد، فيما يبدو محاولة لإيجاد مخرج للتخبط الحاصل في الانسحاب الامريكي من أفغانستان. وبرغم أن أي جهة عراقية رسمية لم تتبنَ خطة التوطين هذه، إلا أن ردود الفعل المختلفة عليها، توحي بأن ستكون بمثابة قنبلة موقوتة فيما لو جرى المضي قدما فيها.
وتمكنت الولايات المتحدة من تأمين انسحاب لقواتها العسكرية من الساحة الأفغانية قبل حلول الموعد النهائي للخروج في 31 آب الماضي، إلا أنها تأخرت إلى حد الفشل في التعامل مع ملف الأفغان المتعاونين معها، لدرجة تدفق فيها عشرات الآلاف من المواطنين الأفغان الى المطار في محاولة لإيجاد مخرج آمن من العاصمة كابول.
وشكلت هذه المشاهد، بما فيها محاولات أفغان التشبث بطائرات عسكرية أمريكية أثناء إقلاعها، بالإضافة الى التفجير الانتحاري الذي استهدف الجموع المحتشدة عند المطار وأوقع عشرات الضحايا بينهم 13 من الجنود الأمريكيين الذين قتلوا، إحراجا كبيرا لإدارة جو بايدن والدول الحليفة التي حاولت تسريع خطوات معالجة ملف المتعاونين، وهم بعشرات الآلاف على أقل تقدير، وبنقلهم بطائرات عسكرية الى دول مجاورة بينها قطر والإمارات والبحرين، كأماكن إيواء مؤقتة، على أمل ترتيب توطينهم في دول أخرى.
وفي خضم ذلك وصل ممثل الاتحاد الأوروبيّ للشؤون الخارجيَّة والسياسة الأمنيّة جوزيب بوريل، إلى بغداد في زيارة رسمية أعلن عنها قبل أكثر من أسبوعين، وجاءت وسط مخاوف أوروبا من التجربة الأفغانية وعودة طالبان.
وكان بوريل قد صرّح في مقابلة صحفية أجريت معه أواخر آب الماضي، بأن “الأزمات المقبلة بعد أفغانستان ستكون في العراق ومنطقة الساحل الأفريقي”.
ويزعم بوريل ضرورة إنشاء “قوة تدخل” قوامها 50 الف جندي “تكون قادرة على العمل في ظروف مثل تلك الموجودة في أفغانستان” وهو المقترح الذي يناقشه حاليا وزراء دفاع الاتحاد الأوروبي.
وتعليقاً على ذلك يقول النائب عن تحالف الفتح مختار الموسوي لـ”المراقب العراقي”، إن “تجربة أفغانستان لا يمكن أن تتكرر في العراق على اعتبار أنه لا توجد قوة مسلحة مسيطرة على المشهد السياسي كما موجود لدى طالبان”.
ويضيف الموسوي أن “خطر تنظيم داعش الإرهابي زال بجهود القوات الأمنية والحشد الشعبي وبالتالي لا توجد اليوم مخاوف على الوضع الأمني العراقي “.
ويؤكد الموسوي أن “العراق ليس بحاجة إلى تشكيل أي قوات أجنبية لأن قواته قادرة على صد الهجمات وحفظ الأمن والاستقرار في كل المحافظات”.
ويردف قائلاً “إننا مع مطلب إخراج القوات الأجنبية من الأراضي العراقية، وما تتحدث به أميركا أو أي دولة أخرى، ما هي إلا ذريعة لإبقاء قواتها في العراق”.
جدير بالذكر أن المشهد في الأراضي الأفغانية، بات قاتماً بعد أن أحكمت طالبان قبضتها على البلاد، فيما مثّل الأمر صدمة للرأي العام الدولي، زعزعت الثقة بالولايات المتحدة التي اختارت أن تُسلّم بلداً احتلته 20 عاماً، لحركة مسلحة كانت تُسميها “إرهابية”.
بيد أن المشهد كان أكثر قتامة في بلاد ما بين النهرين، حيث بدت مشاهد انتشار مسلحي طالبان في الشوارع وسيطرتهم على المدن، مألوفة لدى العراقيين حيث أعادت إلى أذهانهم مشاهد اقتحام تنظيم “داعش” وسيطرته على مدن عدة من البلاد عام 2014، قبل أن تتمكن القوات الأمنية وفصائل المقاومة الإسلامية، من استعادة تلك المدن من قبضة الإرهابيين، وإعلان النصر على “داعش” بعد ثلاثة أعوام من القتال المتواصل.
ومما أثار ريبة وقلق العراقيين هو “رهان” حكومة مصطفى الكاظمي، وبعض المسؤولين التشريعيين والتنفيذيين، على أميركا وقواتها العسكرية المنتشرة في قواعد عسكرية محصّنة، حيث يتوقع مراقبون “سيناريو أسوأ” تُحضّره واشنطن للعراق خلال الأشهر المقبلة.
وشنّت الولايات المتحدة عملية عسكرية بمساعدة حلفائها، لغزو أفغانستان عام 2001 ومن ثم احتلال أراضيها، فيما أقدمت على غزو العراق في 2003، أي بعد عامين من دخولها إلى أفغانستان.
وجاء الانسحاب الأميركي المفاجئ من أفغانستان، الذي تسبب في سيطرة طالبان على مدن البلاد وعاصمتها كابل، بعد 20 عاماً من الغزو، وهو ما أثار شكوكاً وقلقاً مطرداً لدى العراقيين، من احتمالية وجود سيناريو مشابه قد يشهده العراق عام 2023.
وأثار الانهيار السريع والمدوي للجيش الأفغاني أمام مسلحي حركة طالبان، تساؤلات كثيرة عن جدوى التدريب الذي تلقته القوات الأفغانية طيلة الأعوام الماضية، على يد مستشارين عسكريين أميركيين.



