قوات الاحتلال الأميركي في سوريا.. استراتيجية مقَيدة وسلوكٌ مشين

بقلم/ميشال كلاغاصي..
يصمت العالم وهو يتابع بوسائله الإعلامية، وبشكل شبه يومي، أخبار إخراج قوات الاحتلال الأميركي صهاريج النفط وشاحنات القمح السوري المسروقة نحو العراق عبر معبر “الوليد” اللاشرعي. استطاعت هذه الأخبار تحويل الأمم المتحدة والمنظَّمات الأممية، ووزارات الخارجية حول العالم، والمؤسسات الحقوقية والإنسانية، وغالبية وسائل الإعلام الغربية ومن يسيرون على إيقاعها، إلى ما يشبه مكاتب للجدولة والأرشفة والتدوين فقط.
أكثر من 5 سنوات والمشهد يتكرَّر من دون توقف، ومن دون ضجيج، حتى من دون أي رد فعل أو تصريح أو استنكار. وحدها الدول الوفية والصديقة والحليفة لسوريا، كروسيا وإيران وآخرين، يستنكرون ويحاولون ما بوسعهم لنقل الفعل الأميركي المشين من خانة الأرشفة الباردة إلى دائرة الضوء وتقييم الحدث…
وحده المتحدث باسم التحالف الدولي العقيد واين ماروتو رأى في 15 حزيران/يونيو الماضي – بحسب “RT” – أن اتهام واشنطن بسرقة النفط في سوريا هو “ادعاء باطل” و”معلومات مضللة ليس لها أي أساس من الصحة”! يبدو أن العقيد واين لا يتابع أخبار قوات الاحتلال الأميركي و”مهارتها” في سرقة المقدرات السورية، ومدى التزامها بأجندة البنتاغون، والأموال التي أقرها ورصدها الكونغرس الأميركي لدعم خططه في سوريا أم تراه يحاول نسبة صفة “التشبيح” إلى بعض عناصر قوات الاحتلال الأميركي كعملٍ فردي!َ
يبدو نفي “العقيد” مستغرباً، في ظل الفيديوهات التي تنشرها وكالات الأنباء ووسائل الإعلام، والتي رصدت أرتال الشاحنات والصهاريج الأميركية التي تحمل مسروقاتها وتعبر بها خارج الحدود السورية… ولم يتناهَ إلى أسماعه موقف الدولة السورية وبيانات وزارة خارجيتها الرسمية وتقاريرها إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة، ولم يسمع بتقارير وكالات الأنباء العالمية ووكالة الأنباء السورية “سانا” عندما كانت توثق وتفضح أرتال السرقات التي يقوم بها جيش الدولة “العظمى” على الأراضي السورية.
بات من المؤكد نفاد كل أوراق التوت الأميركية، بعد سقوط الذرائع التي ادعتها إدارات أوباما وترامب وبايدن لتبرير وجودها اللاشرعي في سوريا، ورواياتها حول “حماية الشعب السوري” من حكومته الشرعية وجيشه الوطني، و”حماية ثرواته ونفطه”، كذلك بعدما تحولت روايتها بمحاربة تنظيم “داعش” إلى مسرحية هزلية، وبات العالم يدرك أن واشنطن تُمسك كل خيوط المؤامرة والحرب على سوريا، ويعرف ما تقوم به أدواتها الإسرائيلية والأوروبية والتركية وبعض أدواتها الخليجية وميليشياتها الانفصالية والإرهابية، وكل الذين يشكلون بطبيعة أدوارهم الأدوات التنفيذية المحكومة بتنفيذ الأوامر الأميركية، ويختبئون وراء الأفعال المشينة لقوات الاحتلال الأميركي، والتي تختبئ بدورها وراء ستار سياسات “الدولة الأميركية العميقة”، وما يخدم مصالح الرئيس الأميركي وإدارته، بعدما تأكدت حقيقة اللصوصية الأميركية التي تمر عبر قواعدها العسكرية والمعابر اللاشرعية، وتحولت إلى ثوابت لا تقبل التشكيك بها أو نكرانها ونفيها.
لبعض الوقت، ومع السلوك الأميركي في سوريا، من دعمٍ للانفصاليين في شمال البلاد وشرقها، وسيطرة القوات الأميركية بنفسها على حقول النفط ومحاصيل القمح والشعير، ودعمها المشروع العثماني والإرهابي وتنظيم جبهة “النصرة” وكل المجاميع الإرهابية في شمال البلاد وغربها وفي محافظة إدلب السورية… اعتقد البعض أن واشنطن مهتمة فقط بفرض استراتيجية كبرى تتخطى مصالحها على الأراضي السورية، وتجعلها قادرة على تحقيق أهدافها في العراق، وتمنحها إمكانية الاقتراب من الحدود الإيرانية، ومنع التواصل الجغرافي والحيوي والعسكري الممتد من طهران إلى بغداد ودمشق، وصولاً إلى لبنان وفلسطين المحتلة.
ولم تكن الأنظار مسلّطة على أعمال النهب المباشر، لكن ومع تصدع الرواية والمشروع الأميركي، نتيجة الانتصارات العسكرية التي حققها الجيش العربي السوري وحلفاؤه والمقاومة العراقية على طرفي الحدود، وبعد نجاح الدولة السورية باستعادة سيطرتها ونفوذها وتحرير ما يقارب 80% من الأراضي التي سيطر عليها الإرهابيون، ومع استعادة الأرض والأمن والاستقرار، تأكد الأميركيون من استحالة تحقيق أي تقدم أو نجاح في تفكيك الدولة السورية وإطاحة حكومتها وقيادتها ونظامها السياسي.
ومع غياب أي استراتيجية أميركية لتغيير هذا الواقع، تحوَّل المشهد نحو رغبة أميركا الجامحة لتجميد الخرائط العسكرية، وسط هواجس حفاظها على حياة جنودها، واكتفت بمتابعة أعمال السرقة والنهب وحرق المحاصيل، الأمر الذي أعاد توجيه الأنظار إلى الممارسات والأعمال اللصوصية الأميركية، وأنها لا تعدو سوى دولة احتلال، وهي المتواجدة بشكل غير شرعي على الأراضي السورية.
من المهم ما تعلنه طهران وموسكو ودمشق مراراً وتكراراً حول الوجود العسكري الأميركي في سوريا، وأنه احتلال ووجود غير شرعي، وإعلانها الدائم عمليات النهب والسرقة الأميركية لثروات الدولة والشعب السوري، وإبقاء الأنظار متجهة نحو الممارسات اللاقانونية واللاشرعية لـ”الدولة العظمى”، إذ لم تعد واشنطن قادرة على إخفاء نشاطها الإجرامي في سوريا، والَّذي صنعت له غلافاً مزيفاً تحت مسمى “الحرب الاقتصادية” والعقوبات على الدولة السورية وعدد من الشخصيات والكيانات الاقتصادية السورية.
لن يتوقّف السوريون ومحور المقاومة مجتمعاً عن توثيق لصوصية قوات الاحتلال الأميركي، ولن يتوقفوا عن سعيهم لمحاسبتها وإخراجها من سوريا والمنطقة والإقليم، وسط غياب العدالة الدولية وصمت الأمم المتحدة ومجلس الأمن وما يطلقون عليه زوراً اسم “المجتمع الدولي”.



