ثقافية

“صوت الطبول من بعيد” سرد الأحداث الماضية شعريا

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد والقاص  أ.د مصطفى لطيف عارف إن الروائي  فلاح رحيم في رواية “صوت الطبول من بعيد” أستطاع سرد الأحداث الماضية بصورة شعرية ,وشاعرية , وأعطانا صورا فوتوغرافية  بأسلوبه المتميز على الكتابة والسرد.

وقال عارف في قراءة نقدية خص بها(المراقب العراقي):استطاع الروائي الكبير فلاح رحيم  سرد الأحداث الماضية بصورة شعرية ,وشاعرية , وأعطانا صورا فوتوغرافية  بأسلوبه المتميز على الكتابة ,والسرد,    فنراه يقول:كنا قد تعودنا مؤخرا , أنا وهو , على الخروج في جولات طويلة على طرق صية بعيدا عن الزحام المجنون , وكان هو أكثر ميلا مني إلى الإصغاء ذهب بنا الحديث ذات مرة إلى رواية الحرب , وكان قد طلب مني أن اروي حكايته الحربية كما سمعتها منه مرارا 0 قلت له ليس للحرب من حكاية إلا بحضور امرأة معشوقة , حكاية العشق التي تتخللها هي عمودها الفقري  , تمتلك الكتابة السيرية سحرا خاصا يجعلها تنفرد بين أنواع السرود الأخرى بامتلاكها خاصيتي الذاتي ,والموضوعي بكفين متوازتين , الذاتي حين تتطابق هوية الكاتب مع السارد , والموضوعي حين تفترق أنا الكاتب , وتحتجب خلفه الشخصية وتستتر بظلها لتبرز هوية السارد واضحة الشخصية , والهوية الأولى الذاتية هي التي تميز السيرة الذاتية والسير بنحو عام , والمذكرات , عن الرواية طبقا لتقسيم تودوروف وتصنيفه  ,

وأضاف: في رواية صوت الطبول من بعيد قد تجسدت بشكل كلي هذه الآليات , فنراه يقول: أتذكر إنني أمضيت سفرتي الشاقة من العمارة إلى بغداد اقلب في راسي أفكارا مشوشة ما لها أصل ولا فروع 0 ثم قررت أن استعين بالرياضيات علها تمنح هذه الفوضى انتظاما بمنطقها البارد , بدأت بتعريف الوطن انه , هكذا توصلت وأنا اسند راسي المحموم إلى مشمع حافة المقعد أمامي , جغرافيا وإنسان , الأولى تراب , والثاني دم , فإذا عوضنا هذه العناصر بقيم عددية كان الوطن  لنقل انه مئة , حاصل جمع التراب والدم لدى الطرفين الأرض هي الأهم  0

وتابع:ونلحظ ثمة اقترابا في نص ما بعد الحداثة من نمط الكتابة السيرية, تجانسا مع الألفة الاجناسية المتحققة فيه , التي تندغم فيها الكثير من الخطوط النوعية إلى الحد الذي صارت فيه قضية نقاء النوع أسطورة كلاسيكية بالية أو قناعا متهرئا لا يصلح نقابا للنصوص الحداثية المشعة ببريق الحداثة المتنوع , والمضاد لكل مألوف ومسكون   , وتتجلى عند الكتًاب المتنوعي الإبداع الذين تتخلق إبداعاتهم في دوائر فنية مختلفة كالشعر والرواية , والرسم , والترجمة , والكتابة السيرية,إشكالية الألفة الاجناسية فهي قائمة لديهم طريقة لافتة للنظر , وبذلك نلمح تشاكلا غريبا في القوانين التي تحكم أساليب الفن لديهم وتؤلف بينها , كما تتهجن أساليب الحياة خالقة مسارها العجيب الواحد المتنوع  0 

وبين :ان فلاح رحيم  , هو واحد من الذين فاضت كتاباتهم بتلك الألفة , ونزفت شرايين إبداعه بدماء ذات ألوان متباينة تمتزج , كما تمتزج خطوط اللوحة ألوانها , وهو حين يكتب سيرته كثيرا ما يشير إلى أن أوراقا كثيرة قد نفذت منها إلى كتبه الأخرى , فنراه يقول : فتح سليم عينيه على عالم جديد 0 فوقه سقف حليبي شاهق, وفي أطرافه برد منعش , وتحته فراش وثير وسرير يعلو عن الأرض ! عالم غريب غرابة الموضع الخانق وحشية الإسفنج الخفيفة ينقلها بين الموضع والهواء الطلق مجازفا بحياته 0 عالمان غريبان يستنكر احدهما الآخر ويقاطعه وهو بينهما لا ينتمي إلى إي منهما, لا ينتمي إلا إلى جسده الضائع بينهما , استوي جالسا على السرير  ,بينما تقوم السيرة على شخصية أحادية، تختزل الثلاثة في واحد، وتستوعب الفنون والعلوم في قالب واحد يصوغها الروائي بالخيال الممزوج بالحقائق هو السيرة  الذاتية , وكيف وظفها فلاح رحيم  في روايته ,  ونصوص الحياة لا تماثل نصوص الكتابة , وتأبى أن تنخرط ضمن تراتبية المقولات الاجناسية , ولابد لها من الدخول في عمليتي التقطيع ,والمونتاج الفنيتين ليعيد الفن أنتاج الحياة ,فينفلت النص عن عالم الكاتب , ومهما كان نص التأليف غرائبيا فنجد ثمة مسافة , تقترب أو تبتعد من الحياة, تفصل بين نص المؤلف ونص الحياة , ليضع المؤلف حدا فاصلا بين ما يروي وما حدث , بين من يروي عنهم وبين ذواتهم , ويتخفى الراوي وراء صنوف الحكايات والأخبار المتنوعة   0 

وأوضح : إن الزمن الذي يبقى عند طرفي الرواية السيرة الذاتية, البداية و النهاية , و بما أن الرواية ليست حدثا يسير أفقيا فإنه من الصعب بما كان تحديد زمنها الخارجي ,و مع ذلك فإننا نعتمد في تحديد هذا الزمن على مجموعة من القرائن التي تدل عليه ، كون الحدث الأول ، متى وقع ذلك في الليل, أم في النهار,  فهذا المقطع يدلنا على أن الزمن هنا يتعلق بمدة معينة  ، لذا فإن الزمن الخارجي للرواية السيرة الذاتية يقوم على مدة محددة, و قصيرة ,   و يكون بذلك الزمن الإطار الخارجي لكامل أحداث الرواية السيرة الذاتية  وهو زمن الحاضر , ونجد ذلك قد تجسد عند الراوي  ,وهو يتحدث عن شخصيته الرئيسة .

وختم :ما تميز به الروائي الكبير فلاح رحيم ثقافته الواسعة , وقدرته الفنية على سرد الأحداث , وإدخاله تقنيات حداثوية في الرواية مثل الرياضيات , والمونتاج الفني السينمائي  , والثنائيات , والمتناقضات , وسلطة المثقف المغمور , فضلا عن الحبكة المتماسكة والرائعة, والشخصيات المتنوعة , والذروة في الحدث, وأرخ لحقبة زمنية مهمة من تاريخ العراق المعاصر في رواياته كلها .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى