الصراع السني يُعبّد الطريق أمام داعش نحو “حاضنته الأولى”

المراقب العراقي/ المحرر السياسي…
قلق ممزوج بمخاوف جمّة بدأ يساور العراقيين لاسيما السنّة منهم، بسبب عودة الشحن الطائفي في الخطاب السياسي، بعد المناكفات التي شهدتها الساحة العراقية بين الفرقاء السنّة، والتي أعادت الذاكرة إلى قرابة 10 أعوام مضت، عندما كان المشهد السياسي السني يدفع أبناء الطائفة نحو العنف والانخراط في تنظيمات إرهابية تسببت بقتل ونزوح ملايين العراقيين.
ويحتدم الصراع السني من المحاور وحتى القاعدة الشعبية، ويزداد ضراوة كلما اقترب موعد الانتخابات البرلمانية المقررة في تشرين الأول المقبل. وكانت البداية انطلاقاً من مرحلة تكسير عظام الخصوم سياسياً، لتصل إلى حد تكسير الكراسي في التجمعات الانتخابية المبكرة.
واستبقت الجبهة السياسية السنية موعد الدعاية الانتخابية، وأخذ السياسيون السنة ينشرون غسيل خصومهم، ومنهم من ذهب باتجاه التهديد والوعيد وكل منهم استخدم سلاحه بمدى قوته ودعمه من المحاور الخارجية.
ولعلَّ رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي كان أبرز المنخرطين في الصراع السياسي، حيث اختار لهجة مناطقية لم تبتعد في دلالاتها كثيراً عن العمق الطائفي، في مخاطبة جمهور المحافظات السنية الذي يسعى للزج به داخل “باصه البرتقالي”، كما يُطلق عليه في حملته الانتخابية التي بدأت مبكراً جداً.
ويعتمد الحلبوسي في هذه الحملة على مفصل مهم يحاول خلاله مغازلة الشارع السني، عبر ادِّعاء العمل على إنشاء مشاريع نموذجية لاسيما في الرقعة الجغرافية الغربية من البلاد، لاعتبارات عدّة أبرزها أنه ينحدر منها، وأيضاً لأنها كانت منطلقاً لـ”الباص البرتقالي” الذي يشير خلاله إلى حزب تقدّم.
وعلى منصته التي ألقى خلالها خطابه مؤخراً في محافظة صلاح الدين، تجرّد الحلبوسي من “ثوبه التشريعي”، الذي يُلزمه باعتماد سلوك وفق محددات يفرضها عليه المنصب الحساس الذي يُمثّله، إلا أنه لم يجد إلا الاستعانة بخطاب وصفه مراقبون بأنه “صدامي”.
وبلهجة عامية دارجة قال الحلبوسي مخاطباً أهالي صلاح الدين: “كل من يلعب بأمن هذه المحافظات إلا أكسر ظهره”، ثم استدرك بالقول: “نكسر ظهرهم بالحق والقانون”، في محاولة لتدارك الموقف الذي قد يضع نفسه فيه نتيجة طريقة الطرح المثير للجدل.
وفي جانب آخر من الخطاب الدعائي المبكّر، لم ينسَ الحلبوسي التنكيل بخصومه السياسيين الذين كانوا يوماً ما حلفاء له، قائلاً: ” ناس غررت بينا ولعبت بمستقبلنا بمشاريع سياسية وهمية”.
ويعكس حديث الحلبوسي حجم التصدع الذي يضرب البيت السني، قبيل الانتخابات المزمع إجراؤها في العاشر من تشرين الأول المقبل، وسط أجواء سياسية واجتماعية مشحونة، جراء التدهور الذي يضرب قطاعات عدّة في البلاد أهمها الاقتصادية.
ويواجه الحلبوسي اتهامات خطيرة بالفساد والتربّح الشخصي من منصبه الحالي، في خضم “الاحتراب الداخلي” داخل البيت السني.
وبات الخلاف المحتدم الذي أشعلت فتيله أطراف متناحرة، يهدد بـ”معركة سنية” حامية الوطيس، لاسيما بين الحلبوسي، ورئيس تحالف عزم خميس الخنجر، وأطراف سياسية سنية أخرى ذات تأثير محدود.
وتسببت “حرب التغريدات” التي شهدتها الايام الاخيرة على إثر الخلاف الحاد بين الحلبوسي والخنجر، بإثارة فتنة خطيرة داخل الطيف السياسي السني بشكل يتزامن مع قرب الانتخابات ومع التحركات التي تجريها الكتل استعدادا لخوضها، ومن الممكن أن تتسبب بحالة من النفور داخل البيت السياسي.
وأكد مراقبون للمشهد السياسي أن هذا الصراع لن يمر مرور الكرام، خصوصا أنه تضمن رسائل شديدة اللهجة بين الطرفين حيث أكد فيها الحلبوسي أنه “سيعيده إلى حجمه الحقيقي”، على حد زعمه.
وفق ذلك يقول النائب عن ائتلاف دولة القانون كاطع الركابي لـ”المراقب العراقي”، إن “ما يحصل في الوسط السياسي السني اليوم، نتمنى أن يكون تنافساً انتخابياً، ولا علاقة له بالدور الإقليمي ومعادلة القوة المعادية للعراق التي تحاول زعزعة أمن واستقرار البلاد مجدداً”.
ويضيف الركابي أن “هناك مخاوف حقيقية من استغلال الشحن الطائفي خلال الدعاية الانتخابية وإعادة البلاد إلى المربع الأول”.
ويشدد الركابي على “ضرورة قيام مجلس المفوضين في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، بمراقبة الخطاب السياسي لجميع الأحزاب بما فيها السنية، وفق قانون الانتخابات المصوت عليه من قبل مجلس النواب، والذي يمنع استخدام الخطاب الطائفي والتحريض في الدعاية الانتخابية”.
وارتفعت في الآونة الأخيرة وتيرة الهجمات الإرهابية التي يشنها تنظيم داعش في مناطق متفرقة من البلاد، ومن بينها الهجوم الليلي الذي استهدف مؤخراً خيمة عزاء في ناحية يثرب بمحافظة صلاح الدين الواقعة إلى الشمال من العاصمة بغداد.
وبينما كان المسعفون ينقلون الجرحى ويرفعون الجثث من داخل خيمة العزاء في يثرب، ألمحت أطراف سنية بوجود “شبهة سياسية” وراء الهجوم.
وترجح مصادر أمنية أن يكون تنظيم “داعش” خلف هذا النوع من الهجمات التي تكررت في الآونة الأخيرة في المنطقة، على وقع ارتفاع وتيرة النشاط الإرهابي المدعوم من الولايات المتحدة، وفقاً للمصادر.
وأعلن العراق أواخر العام 2017 انتصاره على تنظيم “داعش” بعد طرد الإرهابيين من كل المدن الرئيسية التي سيطروا عليها في العام 2014. وتراجعت منذ ذلك الحين هجمات التنظيم في المدن بشكل كبير، لكن القوات الأمنية ما تزال تلاحق خلايا نائمة في مناطق جبلية وصحراوية.



