الحضور الطاغي للتناص الديني في قصائد ديوان “عراقي يكتب سيرته”

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد غسان حسن محمد ان التناص الديني كان حاضرا بقوة في ديوان “عراقي يكتب سيرته” للشاعر عبد الحسين بريسم، مبينا ان الاقتباس والتضمين شكلان من اشكال التناص يستخدمهما-الكاتب- بغرض اداء وظيفة فنية او فكرية منسجمة مع السياق الروائي او السياق الشعري.
وقال محمد في قراءة خص بها (المراقب العراقي):هناك من النصوص ما يشي بوضوح بوحدات بنائيته وآليات اشتغاله والمعطيات التي ترد في نسيجه لسانياً واسلوبياً وثقافياًغير ان هناك من الماورائيات ما يستدعي القراءة السطرية والبحث في الايحاءات والتلميحات واستقراء الاشارات المنضوية في المتون بقراءة تأويلية تستنطق المكتوب وتطارد العلامات بغية الوقوف على كنه النصوص ومرامي الكاتب واجتراح أفق نقدي يفك المغاليق ويوضح العلاقات بين المفردات وسياقاتها وصولاً الى المعنى واقعياً كان ام متخيلاً.
وأضاف: إن النصية هي الجذر التي انطلقت منها “نظرية التناص” ببعدها الحداثي التي كان عراب بدايتها ميخائيل باختين عندما ذكر ان (كل نص يقع عند ملتقى مجموعة من النصوص الأخرى؛ يعيد قراءتها ويؤكدها ويكثفها ويحولها ويعمقها في نفس الوقت)، فليس هنالك نص بريء لم يمتص او يتداخل او يتعالق او يقترض او يستشهد بنصوص اخرى، ليس هناك من نص منقطع عن ماضويته ومحيطه مكتفٍ بذاته..فالنص فضاء تسبح فيه عديد النصوص لفظا ومعنى ورؤية، قراءة وتأولياً وتلميحاً واشهاراً، اقتراضاً واستشهاداً وتحويلاً.
وتابع:(ان الاقتباس والتضمين، شكلان من اشكال التناص يستخدمهما-الكاتب- بغرض اداء وظيفة فنية او فكرية منسجمة مع السياق الروائي او السياق الشعري، سواء اكان هذا التناص، تناصاً تاريخياً ام دينياً ام ادبياً وهذا مايدعوه التناص المباشر، اذ يقتبس النص بلغته التي ورد فيها مثل الايات والاحاديث والقصص، اما التناص غير المباشر فهو تناص يستنتج استنتاجاً ويستنبط استنباطاً من النص، وهو تناص الافكار والرؤى او الثقافة تناصاً روحياً لا حرفياً، فالنص يُفهم من خلال تلميحاته وايماءاته وشفراته وترميزاته).
وأوضح إن ( عراقي يكتب سيرته) هو الاصدار الرابع للشاعر عبد الحسين بريسم عن دار الفراهيدي2013م، اعتكز في اغلب نصوصه على التناص الديني والتعالق مع الايات والقصص القرآنية، بصورة مباشرة وغير مباشرة بغية اسناد المعنى وتعميقه والايجاز في توصيله الى الاذهان مستشهداً بالقصص والحكاية السردية التي وردت في القرآن الكريم، ففي نص (حلم داخل حلم) يذكر بريسم( انا اغني بلا كلمات/ وما تبعني الغاوون) في اشارة الى الاية (والشعراء يتبعهم الغاوون) من سورة الشعراء، وفي قصة خلق آدم وحواء يكتب الشاعر:(املك نهرين من عسل وخمر/ ونخلة يتيمة/ وحيداً انتظر/ ان يخلق الله من طيني حواء جديدة/(نص نخلة يتيمة)، ثم يلتقط الشاعر سردية اغواء آدم وحواء من قبل الشيطان الذي تجسد في احدى المرويات على هيئة افعى قامت بفعل الاغراء على اكمل وجه ليصبح ادم وحواء من النادمين بعد ان اكلا من ثمار الشجرة المحرمة عليهما، ليتقمص الشاعر هذا الدور ويسقطه على ذاته باسترجاع تأريخانية الحادثة مع اختلاف المرموزات ودلالالتها، ويوظفها في نص (خدعتني الصور): (هل اغوتني من جديد تفاحة الانثى/والافعى التي طالما تصبغ شعرها من دماء العناكب/ هل كان الفراش طريق المصيدة)وهو تناص مع الاية 19 من سورة الاعراف(وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ).
وبين :ما من كاتب الا وشغف واغترف واجترح من قصة نبي الله يوسف(ع) لعمق مضامينها وقوة حضورها في الوجدان الانساني واثارة وبلاغة صورها وجزالة تراكيبها اللغوية..عبد الحسين بريسم آصر بين معطيات هذه القصة، مماهياً بين الازمنة وسيروراتها بلغة حكائية وصفية عبرت عن حالة انسانية، تهجد بها الشاعر امام الذات الالهية، ماراً على الرسالة الاسلامية وتعاضد عناصرها في بوتقة معاني الوحدانية والخلاص واقامة العدل وحضور الانسان الابهى في عالم الوجود الاكمل:( كنت صخرة بئر يوسف/ ولم اكن اخوته/ انا الذي لم يستطع عليه الاخرون صبرا/ انا غار حراء/ وحمامته وعنكبوت الخاتم/( نص برفقة الله)
ولفت الى ان الشاعر عبد الحسين بريسم عمل على استثمار ممكنات السرد في بنائية الجملة وخلق الحبكات وتوتر اللغة وتفجرها،غير انه قد وضع موجها قرائياً في مدخل مجموعته الشعرية لرسول حمزاتوف يذكر فيه (جمال القصيدة في بساطة كلماتها)، البساطة تعني اسلوب الطرح الذي ينبغي ان يتوافر على سلاسة العبارة موجزاً في الفكرة سهل الايصال للمعنى..حفلت مجموعة الشاعر ببعض القصائد التي تقترب من التقريرية المباشرة وتلك وظيفة النثر الاخباري الوصفي كما جاء في نص(بغداد بعد العاصفة):( بغداد منارتان تتعانقان عبر دجلة/ احدهما في الكرخ والاخرى في الرصافة/ وان مرت تحت جنح الليل خفافيش.غير انه سرعان مايرتقي بشعريته ويحقق اغلب العناصر الشعرية في سياق نص( كشف حساب): (اعبر وخلفي يهرول نصب الحرية/ وجدارية فائق حسن/ دون خيولها التي ظلت تصهل/ في الباب الشرقي دون معيل/ من علم حديقة الامة/ ان تنسى الامة/ وتعاشر الصعاليك). هذا على مستوى الخطاب الفني الذي تمتعت به قصيدة النثر الجنس الذي يعتمده بريسم في بناء نصوصه. اما على مستوى الخطاب الجمالي فقد كتب عبد الحسين بريسم سيرته شعراً موشى بخطاب وطني، موزعاً على يوميات اثيرة حفلت بها حياة الشاعر التي شغلها قلق الابداع فلم تستقر على مهاد ولم تركن الى ساكن بل كان الشاعر يعيش تحولاته في الزمان والمكان على حد سواء، هو طائر الماء الذي فتح عينيه على تغريدة القصب في أقصى اهوار ميسان ، ليحلق في آفاق الشعر والعراق.



