قصص قصيرة جداً

جابر محمد جابر..
- أحلام مؤلمة
النهار يأفل، وهو ما زال واقفاً، يرى بؤسه يمر أمام عينيه، لكن لم يستطع أن يلمسه، عندما حل المساء، ظهرت الحقيقة المأتمية، كأنها نعي مفاجئ، حداد جديد، تحرك حركة … أستدار معها ثلاثة أرباع جسمه، تابع بحركة ضيقة، لكن فيها نوعاً من جلال سماوي، اخيراً حركة مسكينة تنبوئية، مثيرة للإعجاب، قال : نعم بفم مطبق تماماً …!
تؤلمني أحلامي، ذراعي عقيم، لا يحتضنها، كما يجب، لأزرع فيها قبلة مجدية، نعم … الابتسامة لا تدوم، ليس لأنها دوماً نصف حزينة، الابتسامة محتضرة، ببساطة حاسمة، الألم الحقيقي، يتلبسنا، يأكل معنا، يسير معنا إلى أسرتنا، وأخيراً…
أنطفأ صوته، وبات لا يسمع، ينادي الأنظار…!
- ميتة فاخرة
استدعاني أبي إلى غرفته قائلاً :
يا أبنتي … أنت صحفية ماهرة، وتجيدين اللعب بالكلمات، وتمتلكين ناصية لغة جميلة، أريد منك أن ترسمي لي خارطة طريق لميتة فا خرة …
أنني أشعر، أن ساعتي قد دنت كثيراً من نهايتها، والموت بدأ يقترب مني اكثر وأكثر، أشاهده يسير تجاهي، حافي القدمين، لذا قررت ان أسبقه، في الرؤيا، وأسير نحوه، بسرعة عداء فاشل لا متحدياً، بل لأثبت له خيبتي…!
قبل أن ألج غرفة والدي، وجدت أن الموت سبقني اليه، أخذ روحه، وترك جسده بارداً، لا ينبض بشيء، وعصاه التي كان، يستند بها عند نهوضهِ سقطت هي الأُخرى، بلا حراك … بلا هسيس حتى، بعدما كانت تصول وتجول على أجساد المشاكسين، أو من قرر الوالد معاقبتهم .. يا له من زمن، كم كنا نخشى الاقتراب منها، همنا أن نبتعد عنها، ولا تصيبنا في لحظة ما، دنوت اكثر من جسده، وفي فمي صرخة، مكبوتة، لا تقوى على الخروج، لأنها أكبر من سعة فمي، وتحتاج إلى جهد عضلي كبير … أنا لا امتلك قوة جسدية، لقد انهارت كل قواي … لم اتمكن من تحرير صرختي لكنني قلت،
لقد نال أبي ميتة فاخرة …
- امرأة الخرز
وصلنا المقبرة مساءً، الشمس تودع آخر خيوطها، والهدوء يفرض سطوته على المكان، لم يكن الدفان قد انهى الحفرة بعد، يبدو أن حركة المارة من زوار القبور … قد انعدمت تماماً، حتى بائعي البخور وماء الورد، اختفوا من الساحة، لمحت من بعيد قارئ الأدعية وهو يغادر المقبرة،
سحب أحدهم ممن رافقه من ذراعه، متمتماً بضرورة الهرب من المكان، أنبهر الدفان، وخشى على حياته من هذه الحيوانات المفترسة، خرج من الحفرة، بقفزة واحدة، تبعه الرجلان أبناء المتوفاة، وسط هلع الجميع، وخوفهم، لم يبادر أحد على الكلام، ازدادت الصلوات، وتعاظم التسبيح، خشية من المجهول … استقر الجميع داخل السيارة، وبحركات متزامنة توزعت الكلاب أثنان في المقدمة والآخران في المؤخرة، وبحركة واحدة، اطبقت الكلاب بفمها، على جثة المتوفية، اجتازت تلة تبعد عن القبر خطوات بسيطة، ثم اختفت في المجهول…!
حافظ الجميع على هدوئه، إلا السائق، ترجل من السيارة، وسار بخطوات حذرة، متعقباً مسيرة الكلاب، تفاجأ باختفاء الموكب!!!
بعد ضغط من قبل السائق والدفان على ابناء المتوفاة، وتهديدهما بفضح الحادثة، تكلم كبيرهم، مشترطاً ان يدفن التابوت، وكان كل شيء طبيعياً ليخبرهم بالسر … ان المرأة العجوز … كانت تتعاطى السحر الأسود باستخدام الخرز …؟!



