ثقافية

المسرحُ اليمني: قرعٌ على الباب

أحمد الأغبري..

 

لم تضف الدورة الثانية للمهرجان الوطني للمسرح في اليمن، التي استضافتها مدينة المكلا (شرق) مؤخراً، أي جديد للمشهد المسرحي هناك باستثناء كونه حراكاً مؤقتاً يعود بعده المسرحُ اليمني للبياتِ، تحت أزيز الرصاص؛ فالحربُ أسدلت الستارَ على أي نشاط يمكنُ الاعتداد به لإعادة الاعتبار لأبي الفنون هناك.

بعد أكثر من مئة سنة على بدايته الحقيقية، مازال هذا المسرح عبارة عن تاريخ من النهوض والتعثر؛ لدرجة يختلف مؤرخون في منح صفة (حركة) على تجربة المسرح اليمني العريق، حيث يرى البعض أن ما قدمته المئة سنة ونيف من عمر هذا المسرح، لم تتجاوز (الإرهاصات) التي تأخرت معها ولادة مسرح حقيقي، بسبب غياب التخطيط الحقيقي لتفعيله من قبل وزارة الثقافة، نزولاً منها عند رغبة القرار السياسي بتغييبه، خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة.

وهو حكم قد يكون قاسياً، وربما لا يتقبله البعض، الذين سيشيرون إلى عددٍ من المسارح والمسرحيين، وتاريخٍ من الفِرَقِ والعروض في مختلف أرجاء البلاد.. وهنا نقول إن كل ذلك لم ينتظم في مسار يمكن، من خلاله الحديث عن مسرح مكتمل الهُوية، باعتباره حركة حقيقية، وتتحمل هنا الدولة ـ بلا شك – خلال الفترة الماضية، وتحديداً في العقود الأخيرة، مسؤولية هذا التدهور، باعتبارها تجاهلت المسرح كثقافة وفنان، ودار عرض ومعهد تأهيل، وبرنامج منتظم منبعث من استراتيجية واعية بدور هذا الفن. على الرغم من استحداث وزارة الثقافة قطاعا خاصا بالمسرح والفنون الشعبية، إلا أنه لم يكن أكثر من واجهة ديكورية، تقتصر على تسجيل الحضور المناسباتي في اليوم العالمي للمسرح، وحتى هذا الاحتفاء المناسباتي لم يعد موجوداً خلال الحرب.

كانت عدن، قبل الحرب، تشهد بين الفترة والأخرى حراكاً مسرحياً، تتجاوز به أي مدينة يمنية أخرى؛ وهو حراك كانت تقف خلفه في الغالب مبادرات ذاتية، تحاول أن تُعيد الاعتبار للمسرح في البلد، متحدية كثيراً من المعوقات. وعلى الرغم من قسوة تلك المعوقات كانت مبادرات مسرح الشباب، قبل الحرب، متواترة في عدن وتقدم أعمالاً نوعية، مقارنة بما كان يقدمه مسرح الحكومة المناسباتي؛ لكن تلك المبادرات والمحاولات بقيت عاجزة، بسبب محدوديتها، عن تحريك الدماء في أوردة الحياة المسرحية، التي أُصيبت بالموت السريري منذ عقدين ونصف العقد في عموم البلاد، جراء إهمال وتجاهل الحكومة لهذا الفن ومعظم الفنون؛ ما تسبب في خسارة المسرح أبرز مقوماته وعناصر عمله، بما فيها مكانته في الوعي الاجتماعي. لتأتي سنوات الحرب الخمس كأنها تضع ملحا على جرح هذا الفن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى