وثيقة شرف
وسط لجة التناقضات التي طغت على حركةِ الحياة اليومية، وأدت إلى المساهمةِ بإغراقِ فضاءاتها بالمستهجنِ من السلوكياتِ التي تجسدت أبشع صورها بما تنامى من ظواهرٍ سلبية في الشارعِ المحلي، ولاسِيَّمَا ما أفضى منها إلى إزهاقِ أرواح الناس، أعلن فيما تأخر من أيامِ شهر آب الماضي بقضاءِ الشطرة في محافظةِ ذي قار عن توقيعِ شيوخ عشائر ورجال دين ( وثيقة شرف )، تقضي بمنعِ إطلاق العيارات النارية في المناسباتِ الاجتماعية التي تحصل بجميعِ مناطق القضاء.
جرى تحرير هذه الوثيقةِ خلال مؤتمر أمني عقد في أعقابِ حملة شعبية واسعة وسمها أهالي القضاء باسمِ ( لا تقتلني )، للمطالبةِ بوقفِ نزف الدم المتأتي من جنوحِ بعض المواطنين صوب اعتماد فعالية إطلاق العيارات النارية سبيلاً للتعبيرِ عن مشاعرِهم التي تثيرها مناسبات الأفراح أو الإحزان، حيث كان لحادثِ مقتل أحد أبناء القضاء خلال مراسيم تشييع جنازة مواطن وقعه المؤثر في نفوسِ السكان الذين عمدوا إلى الضغطِ على الجهاتِ المعنية، فضلاً عن إدارةِ مجلس القضاء؛ لانتهاجِ ما يمكن من الإجراءاتِ التي من شأنِها تهدئة الشارع المبتلى بالفوضى، والحيلولة دون انجراف الأهالي إلى الممارساتِ التي بمقدورِها توسيع محيط دائرة العنف، بالإضافةِ إلى تكريسِ آليات ثقافته التي ساهمت بتعميقِ أزمتنا الأخلاقية والاجتماعية. ومن المهمِ الإشارة هنا إلى ما تضمنته هذه الوثيقةِ من بنودٍ عدة، أبرزها بحسبِ مصدر أمني، مضاعفة قيمة ( الفصل العشائري ) بحقِ من يصيب أو يقتل شخصاً نتيجة إطلاق العيارات النارية خلال المناسبات الاجتماعية، بالإضافة إلى اتخاذِ جميع الإجراءات القانونية بحقِ من يخالف تطبيق بنود هذه الوثيقةِ والتعامل بحزم تجاه هذه الظاهرةِ من الأجهزة الأمنية ومصادرة السلاح المستخدم.
وثيقةُ الشرف التي وقعتها شخصيات اجتماعية ودينية مؤثرة في مركزِ القضاء ونواحيه، تعد بنودها تعبيراً عن أهمِ أماني الأوساط الشعبية، بوصفِها بداية للترميمِ الاجتماعي المتأتي من ضعفِ أدوات مواجهة الأجهزة الأمنية لإفرازاتِ هذه الظاهرة، التي عكست تنامي مظاهر العنف واتساع التحديات الأمنية قبالة ارتباك آليات التصدي، الأمر الذي يلزم وجهاءِ المجتمع الحرص على صدقِ النيات والوعي بخطورةِ مخرجات هذه الظاهرة، فضلاً عن التعاونِ والتنسيق ما بين جميع الأطراف المعنية بالأمرِ والفاعلة في المجتمعِ المحلي، سعياً في ضمانِ الوصول إلى نتائجٍ إيجابية بإمكانِها المساهمة في مهمةِ مواجهة الجهل والفوضى الذي وجد له منافذ بيسرٍ في البيئةِ المجتمعية العراقية. إذ أنَّ وثيقة الشرف تشكل عنواناً كبيراً لتوجه مجتمعي في مواجهةِ التحديات التي تهدد بتغييبِ معطيات العملية السياسية المفترضة، ولاسِيَّمَا مشروعات الدولة والحريات والعدالة والحقوق.
مع إيماننا المطلق بدورِ الأجهزة الأمنية المفترض في تحقيقِ السلم الاجتماعي، لا نتمنى أنْ تكونَ هذه المبادرةِ مثل سابقاتها من وثائقِ الشرف التي أغلبها ولد ميتاً، فتتحول إلى كرنفالٍ لإلقاءِ الخطب الحماسية، إلى جانبِ التوقيع على أوراقٍ خالية من الاعتبارات القيمية، والضوابط الإجرائية التي يعول عليها في مهمةِ المساهمة بتحقيقِ الوئام المجتمعي.
ما يبعث الأمل في النفوسِ التواقة لتنظيمِ العلاقات ما بين شرائح المجتمع، هو عمق الإرث التاريخي للؤلؤةِ الغراف ( مدينة الشطرة ) الذي يعكس ارتباطها الوثيق بالحضاراتِ الإنسانية القديمة، فمدينة الشعر التي وصفها أحد أبناءها بقلادةِ فرح على جيدِ الغراف، سليلة حضارة عريقة ليس بمستبعدٍ أنْ تدفع بأهليها إلى التضامنِ لإنجاحِ هذه المبادرة، مثلما هي ما تزال حاضرة في صناعةِ الإبداع.
في أمانِ الله.
لطيف عبد سالم العگيلي



