«2003»… بين الاستبداد الصدامي والغزو الامريكي

المراقب العراقي/ متابعة…
اصدر الكاتب السوري عبدالله مكسور روايته السابعة، وعنونها بسنة ميلادية «2003» (نوفل /هاشيت أنطوان)، فيشكل العنوان إشارة إلى زمن آخر، ينتمي إلى الماضي، هذه المرة، ما يجعل العملية الروائية مزيجاً من الوقائع التاريخية .
في «2003»، يمهد التاريخ للرواية ويتقاطع معها ويفترق عنها. وهذه العلاقات تتمظهر من خلال علاقة الراوي/ البطل بالشخوص الأخرى؛ فطبيب الأسنان الدكتور علي الذي يملك عيادة في شارع السعدون في بغداد، يتحدر من جد لأم، كان ضابطاً في الجيش العثماني، شارك في حروب السلطنة، أُصيب في مواجهة مع البريطانيين في عكا، وسافرإلى ألمانيا للعلاج، ما أدى إلى بتر ذراعه اليسرى.
وأبوه سوري من حماه ذهب ضحية علاقته بالشيخ طاهر، القيادي في تنظيم الإخوان المسلمين، خلال المجازر التي ارتكبها النظام بحقهم، مطلع الثمانينيات من القرن الماضي. لذلك، يوعز إلى ابنه الشاب بمغادرة البلاد، فيغادر إلى العراق حاملاً على كاهله ثأر جده الأول وأبيه، متلمساً طريقه في الحياة، بدون أن يعرف أي حربٍ مقدسة بانتظاره. يدرس طب الأسنان في جامعة بغداد، ويفتتح عيادة له في شارع السعدون. وهكذا، يمهد التاريخي للروائي، ويكون على علي أن يشهد على أحداث تاريخية كبرى، وأن ينخرط فيها من حيث لا يدري، وأن يدفع ثمن شهادته وانخراطه غاليا.
في الخطاب الروائي، تتخذ «2003» شكلاً دائريا، فتتشابه بداية الفصل الأول ونهاية الفصل الأخير. وبين البداية والنهاية تنخرط الفصول الأربعة عشرة في علاقة تسلسلية تراعي كرونولوجية الزمن
حين يتم التأكد من صحة أقواله، يتم الإفراج عن البطل، ويحصل ذلك بالتزامن مع إلقاء القبض على الطاغية صدام في إشارة واضحة إلى أن الحرية نتيجة طبيعية للتخلص من الاستبداد. وإذ تقوده الدروب إلى دبي، يتدبر أمر الاتصال بحبيبته السابقة في سوريا، ويتفقان على أن توافيه إلى دبي لوصل ما انقطع بينهما، قبل عشرين عاماً، بفعل الاستبداد. غير أن القدر كان لهما بالمرصاد، فحين يقوم علي بزيارة القاعدة الأمريكية في دبي، بصفته مندوب مبيعات في شركة طبية، يضرب القدر ضربته غير المتوقعة، فَيُفاجأ بأن مسؤول قسم المشتريات في القاعدة هو إبراهيم، الأسير السابق في معتقل كروبر في مطار بغداد. ويكتشف أنه مجرد عميل أمريكي مكلف بالتجسس على المعتقلين بصفة أسير. وإذ يعلم الأخير أن أمره افتُضح، يقوم باقتياد علي إلى مكان في الصحراء، يسومه صنوف العذاب، يعلمه أنه أرسل أحمد إلى سجن غوانتانامو، ويعمد إلى حقنه بإبرة قاتلة، غير أنه، قبل أن يُسلم الروح، يكتب بدمه على الحائط عبارة «أحبك» التي تنتهي بها الرواية. وهو ما فعله الجد الأكبر حكمت، في بداية الرواية، حين كتببدمه: «لا شيء يدوم؛ ولا حتى أنا، صوتي الذي طالما تناغم مع صداه، سينقطع، وإلى الأبد». وبذلك، تتشابه واقعتا البداية والنهاية، رغم المسافة الزمنية الطويلة الفاصلة بينهما، ما يمنح الرواية شكلاً دائريا، ويشي بأن التاريخ يعيد نفسه ولو بطريقة مختلفة.
وعليه، فإن المسارات التي تقاطعت في الرواية، خلال أشهر الاعتقال الطويلة، آلت إلى مصائر مختلفة بين شخصية وأخرى، لكنها، على اختلافها، تتفق في الفجيعة؛ فعلي ينتهي محقوناً بإبرة قاتلة. وأبو الكرم يخرج من المعتقل، بعد سنتين من الاعتقال، مريضاً جسديا ونفسيا. وأحمد يُرحل إلى غوانتانامو. وإبراهيم العميل ينتهي به المطاف قاتلاً يغدر بأبناء قومه.



