ثقافية

«ملح هذا البحر» الجدلية بين الفلسطيني ووطنه المستلب

المراقب العراقي/ متابعة…

أعاد مهرجان ليدز للسينما الفلسطينية عرض الفيلم الفلسطيني «ملح هذا البحر» Salt of This Sea للمخرجة والشاعرة الفلسطينية آن ماري جاسر. الفيلم رشح لجائزة الأوسكار عن فئة الأفلام الدولية، كما نال عدداً من الجوائز في مهرجاني ميلانو ودبي، وغيرهما. قام بأداء الأدوار الرئيسية فيه الممثلة الفلسطينية سهير حماد بدور «ثريا» والممثل الفلسطيني صالح بكري بدور «عماد».

على الرغم من أن موضوع الفيلم ينهض على موضوع العودة الذي يبدو مشتركا في أكثر من عمل سينمائي فلسطيني، غير أن ما يميز هذا الفيلم منظوره الإخراجي، خاصة النظر إلى تكوين فلسطين عبر وعي الأجيال، التي نشأت بمعزل عن إدراكها لفلسطين ضمن التصور المادي المعاين، مع محاولة نسج صيغة خطابية تستدعي إعادة محاولة تعريف فلسطين لدى الأجيال التي نشأت خارج فضائها، حيث يثقلها وعي التهجير والمنفي. وإذا كانت المخرجة آن مارس جاسر قد ركزت على تحرك الكاميرا عبر معاينة مدن فلسطينية كرام الله والقدس ويافا وحيفا وغيرها، فإن حبكتها بدت مفارقة للنموذج المستهلك لبعض الأفلام، في قراءة الجدلية بين الفلسطيني ووطنه المستلب، حيث يغرق الكثير من الأعمال أحياناً بتفعيل النموذج الطوباوي المباشر، والاستهلاك لبعض النماذج الأيقونية: كالتراب، والشجرة، والمفتاح، ورثاء الذات بوصفها نماذج حوارية غير فاعلة؛ ولهذا ارتأت المخرجة أن تجعل سياقات الفيلم قائمة على حدث غريب، بالتجاور مع لمسة هادئة أو رومانسية تؤطرها علاقة «ثريا» المولودة في نيويورك بعماد الشاب الفلسطيني الذي يعمل نادلاً في أحد المطاعم.

تعود ثريا إلى فلسطين بداعي المطالبة بميراث جدها من البنك البريطاني، لمبلغ قدره (150) جنيهاً فلسطينياً، كان في حساب توفير جدها عام 1948. تبدو لنا ثنائية عماد وثريا إطاراً جمالياً ينضح بما هو إنساني، ومع ذلك فقد بدت لنا هذه العلاقة مكوناً خصباً لبناء المسرد الرمزي والحكائي والأيديولوجي، على الرغم من أن القصة قد تبدو في بعض الأحيان متعالية في غرابتها، أو لا واقعيتها، لكنها تمكنت بطريقة ما أن تشحن المشاهد بطاقة حيوية، وأن تجعله يغرق في ما يمور بعقل هذين الشابين، وصديقهما الثالث (مروان) حين قرروا استعادة مال «ثريا» عبر سرقة البنك الذي أنكر ميراث الجد بحجة ضياع كل شيء، فتنشأ فكرة السطو بعد طرد ثريا وعماد من عملهما في المطعم لتهجمهما على بعض اليهود، وهكذا يتمكنان من سرقة ( 15 ألف دولار وسنتين)، وهو إرث جدها مع الفوائد، ومن ثم يهربان من رام الله إلى داخل الكيان الصهيوني، أو الداخل لمشاهدة مدينة القدس ويافا وحيفا ومعانقة بحر فلسطين في مشهدية بدت لي على قدر كبير من الإتقان على مستوى التحفيز العاطفي، عبر أداء مزج بين شعرية الأداء، وتمظهر الأيديولوجية.

تسعى المخرجة إلى تجسيد خطاب سينمائي قوامه، إن فلسطين في وجودها الكلي، وهويتها ستبقى في وعي شعبها، والأهم أنّ الأرض تدرك ذاتها، بغض النظر عن محاولات محو تعالقها مع أصحابها الأصليين.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى