«نازلة دار الأكابر»عندما ترتدي الكاتبة قبعة المؤرخ الافتراضي

المراقب العراقي/ متابعة…
رواية «نازلة دار الأكابر» تأسست على محور دار الأكابر التي تخفي تاريخها الأسود، أو القصة النواة، ثم على التشظي الحكائي، من خلال الأحاديث المروية من عائلتي «علي الرصاع»، و»عثمان النيفر»، والشخصيات المحيطة كالخدم والأعوان، حيث تتكشف الأسرار من خلال إنشائهم وخطاباتهم بين أمكنة هي وطن الرواية وتربتها، دار الأكابر، ونهج الباشا، وحي الكارطي، ومستشفى المجانين، وغيرها. يتم ذلك بمهارة فائقة تعيدنا بعد التمادي السردي، إلى النقطة الأولى، لدرجة أنّ الحديث اللولبي لا ينتهي أبداً، فما يزال في الحقيبة المغلقة الشيء الكثير الذي لم يُقل بعد: «أحضن المحفظة بكل قوتي خشية أن يتسرب إليها الماء. أكلم نفسي: ما يزال الأمل قائماً يا هند. السرّ ههنا في المحفظة المقفلة. قريباً. قريباً جداً تُفتَّح الأقفال. ص: 457».
وعلى الرغم من التماس مع المادة التاريخية، فليس ذلك رهان الكاتبة. فهي ترتدي قبعة المؤرخ الافتراضي دون أن تكون مؤرخاً، فقط بالقدر الذي يتيح لها إمكانية زحزحة اليقينيات المتوارثة بين الأجيال عن دار الأكابر التي تخفي حقيقتها المرة. يتبدى الحداد داخل هذا المناخ الافتراضي الذي يشبه حقيقتنا الداخلية القاسية والمرة، عاشقاً لزبيدة، مستسلماً على حصير، مستمعاً لسيد درويش «أنا هويت وانتهيت». لم يكن مرغوباً فيها لأنه «ليس من الحاضرة»، وزيتوني من الجنوب التونسي، لهذا رفضه علي الرصّاع زوجاً لابنته. فقد تجرأ الحداد على هز أركان ذلك اليقين بالتنبيه لضعفه، فكان من نتيجة ذلك القطيعة المرة والتكفير، كعادة كل العظام التاريخيين. جرأة أميرة ذهبت إلى أبعد نقطة أعادت من خلالها النظر، فيما جعل منه الكثير من المؤرخين مرجعاً، بينما كان في ذلك الزمن اللاتاريخي أو غير المعترف به، عنصرية، وجهوية، وذكورية، واحتقار للأجناس والأديان الأخرى، والصحافة التي يملكها الأكابر، واستخدمت لتسفيه كل من لا يناسبها، ومن بين هؤلاء الطاهر الحداد الذي اعتبرته زنديقاً. لهذا، تنتقل النازلة من كونها حدثاً تاريخياً له مرجعه المرتبط بأحداث 7 ديسمبر 1936، إلى نازلة مجتمعية وثقافية وحضارية يدفع المجتمع ثمنها اليوم. مأساة للّا زبيدة بنت علي الرصاع، كبيرة، لكنها ليست الوحيدة. فقد خانها زوجها محسن وتزوج عليها سراً ببهية اليهودية التي اختارها بكماء وعاقراً، ورفض حتى أن يكتب على قبرها أنها زوجته. لا شيء يغلف هذه النظرة الاحتقارية ويحميها إلا التاريخ الكاذب. في الظاهر، فعل محسن ذلك حفاظاً على مكانة زبيدة الشريفة، سليلة الأشراف والأكابر.



