ثقافية

“البدلة البيضاء للسيد الرئيس” رواية ترصد الصراعات النفسية لعملاء السلطة الصدامية

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

ترى الناقدة سماح عادل ان رواية”البدلة البيضاء للسيد الرئيس” للكاتب العراقي “علي لفتة سعيد ترصد الصراعات و العذابات النفسية لعملاء السلطة الصدامية الذين يشعرون بالدونية فأختاروا اللجوء للتملق للسلطة لكي يعوضوا نواقصهم.

وقالت سماح عادل في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): ان رواية “البدلة البيضاء للسيد الرئيس” للكاتب العراقي “علي لفتة سعيد” تحكي عن التقرب إلى السلطة ومحاولة التقوية بها، وترصد الصراع النفسي الذي يعيشه شاب فقير، عصرته الحياة وعاش ظروفا قاسية فقرر اللجوء للتملق للسلطة لكي يعوض نواقصه.

وأوضحت : ان الشخصيات..مدلول: بطل الرواية، ولد في أسرة فقيرة، حيث أبوه يعمل في صناعة الطابوق، عمل مؤذ جسديا لمن يعمل فيه، وأيضا لمن يحيطون به، لذا ماتت والدته بداء السل جراء استنشاقها للنفط الأسود ومخالطتها لزوجها، ثم يموت الأب بعدها تاركا ابنه مدلول للحياة بلا سند.والأب: رجل مغلوب على أمره، يحاول توفير حياة جيدة لابنه لكنه لا يستطيع، لأن الفقر أجبره على ذلك وموت الأم فيضطر إلى التزوج مرة أخرى ليجد سيدة تربي ابنه، لكن زوجة الأب لم تكن بمثابة أم بل كانت تعامل مدلول معاملة قاسية.وشكرية: زوجة الأب، تعاني حرمانا جسديا كبيرا فتذهب إلى السوق بشكل يومي، ولم يذكر الراوي بشكل مباشر هل كانت تقيم علاقات جسدية خارج الزواج أم لا، لكنها بلا شك مثلت عقدة كبيرة في حياة مدلول خاصة أن أحد زملائه في المدرسة نعتها بصفة سيئة وعايره بها.وأم ساهي: خياطة، وجارة لشكرية، تعامل مدلول بود، لأنها لا تنجب.والخال: موظف حكومة، يتولى رعاية مدلول بعد موت والده، انضم في البداية للحزب الشيوعي ثم مع سيطرة حزب البعث واضطهاد الشيوعيين انضم إلى حزب البعث، لكنه رغم ذلك لم يوافق على التملق والنفاق وأذى الناس الذي كان يقوم بهم البعض في حزب البعث.

وتابعت : ان الراوي عليم، يخاطب القارئ أثناء الحكي، ويحادثه عن طريق سرده للرواية، ويحكي عن مدلول بضمير الغائب، لكنه يسبر أغوار مدلول وينقل صراعاته النفسية الداخلية وانفعالاته، ومخاوفه أكثر من سرد الأحداث التي تجري فالرواية بالأحرى تدور داخل نفس مدلول وعقله وذكرياته.

ولفتت الى ان الرواية تقع في حوالي 157 صفحة من القطع المتوسط، يتنقل الحكي داخل عقل مدلول الذي يستعيد ذكريات الطفولة، ويطول ذلك كثيرا، ثم نواجه مدلول الشاب الذي يعود للمدينة التي عاش فيها طفلا، ومخاوفه من مواجهة الناس الذين عاملوه بقسوة وتجاهل، والنهاية فيها تحول لشخصية مدلول لكنه تحول مفاجئ لم تسبقه تمهيدات أو تغيير على مستوى الشخصية.

 وبينت :تحكي الرواية عن الفقر والعوز وقسوة الحياة حينما تجتمع لدى شخص بمفرده، طفلا يتيما بائسا، فتموت أمه وهو صغير ثم يتعذب بمعاملة زوجة والده القاسية والتي تسعى لإشباع أنوثتها، ثم يتعرض للتحرش من امرأة تكبره في السن ثم يموت والده ويجد نفسه بلا سند وبلا أمان وبلا مستقبل.

وواصلت :ثم تنصلح أحواله حين يأخذه خاله ويربيه ويتيح له فرصة إتمام تعليمه لينضم إلى حزب البعث، ويحاول مدلول الذي عذبه الخوف في صغره واقتنع بنصائح والده أن لا يواجه أي شيء وأن يعيش في انكسار وضعف حتى يستطيع المواصلة في الحياة، يحاول الاستقراء بالسلطة، فيحاول تملق السلطة متمثلة في الطاغية صدام الذي عرفه عليه والده في طفولته، حين وضع صورته وصورة الذي يسبقه وهما يرتديان بدلات بيضاء في بيته .

وأكمل :وظل مدلول يرى في السيد الرئيس القوة والتعويض، لذا فقد التحق بحزب البعث مثل خاله، لكنه تفوق عن خاله في الرغبة في الوصول سريعا فأصبح متملقا بشكل واضح حتى أنه هتف في إحدى التظاهرات المؤيدة للرئيس بحياته، وكان هذا سببا في صعوده سريعا داخل المناصب في الحزب، ومع سعيه للتملق الواضح والاستقواء بالسلطة لتعويض فقره ومكانته الاجتماعية المتدنية التي كرستها داخله معاملة الناس له بشكل سيء بسبب كونه يتيما وضعيفا.

وأستدرك :لكن هذا النجاح في التقرب للسلطة لم يكن يرضيه أو يشبعه، أولا لأن خاله لم يكن راضيا عن ذلك وكان متخوفا أن يكون الطفل الذي رباه بعد وفاة والديه قد أصبح مخبرا أمنيا، مما يعكس حقيقة هامة وهي أن ليس كل من كان ينضم لحزب البعث كان يتعاون مع الأمن أو يؤذي الناس أو يستقوي بسلطته أو هكذا فهمت من الرواية، وكره مدلول الصورة التي تخيلها خاله عنه وأنه ربما يسعى للصعود على رقاب الآخرين وأذاهم. لكنه أيضا لم يكن مرتاحا لأنه لم يتخلص من تأثير الماضي عليه، ومن كل تلك العذابات والمخاوف التي عاناها في طفولته، ولم يكن متسامح مع من آذوه وهو طفل يتيم.

وأشار إلى إن الرواية أيضا تحكي عن الحروب التي خربت المجتمع، وتعنت السلطة ومحاولة الناس المقاومة ورفض تلك السلطة الغاشمة، وانتهت بتمرد الناس ورفضهم لتلك السلطة وخروجهم في تظاهرة كبيرة يعلنون فيها رفضهم.

وختم :اعتمدت الرواية على لغة أقرب إلى اللغة الشعرية وكانت محملة بفيض من مشاعر الحزن والأسى واليأٍس، كما صورت ببراعة شعور المرأة حين تكون محرومة وكيف تتصرف في ظل فقر يحاصرها ومجتمع ذكوري يوصمها ويحاول استغلالها، كما نقلت معاناة الناس الذين يتقربون من السلطة أو نموذج منهم، والمتمثل في مدلول والذي رغم أنه يعد شخصا مكروها إلا أن له دوافعه النفسية والاجتماعية التي انقلبت الى وبال عليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى