«وادي الحطب» سكاكين الغدر تنتصرُ على محابر العلماء

خالد الحروب..
ثقافيا وتوثيقيا، تعكس هذه الرواية الجدل الموريتاني حول التاريخ الشفهي والمكتوب لموريتانيا وشعبها، وانشدادات ذلك الجدل بين تاريخ يكتبه «نبلاء البيظان» حسب تعبير الباحث الأمين بن محمد بابه المصطفى، وآخر يطالبُ به المهمشون والسود والطبقات الدنيا. تاريخياً وسياسيا، لا يمكن اعتبار هذا النص تأريخا لرد فعل و«عدم مقاومة» الموريتانيين للاستعمار الفرنسي، ففي ذلك ظلم لآلاف الشهداء والأبطال الذين سُجلت مآثرهم في مدونات التأريخ الشعبي والشفهي أولاً، ثم الرسمي ثانيا. تُسجل الرواية ووقائعها وتصويراتها وخيالها ما كان يحدث في صف «الخونة» والمتعاملين مع الاستعمار، لا ما كان يقع في صف المقاومين.
فنيا وروائياً، يقدم الشيخ أحمد البان مؤلف «وادي الحطب» تجريبا مُبدعا في إثارة توتر عميق بين اللغة والحدث، ظل يتطور في انفصال صاخب بين الاثنين حتى النهاية. يتكثف ذلك في دراما تصوغ صدامات ادعياء النبالة مع المهمشين في مساحة تناقض مُصاغ بإبداع، بين عراقة وجمال تصاوير اللغة، وبشاعة ما تصف من ثلاثية استعباد وطبقية واستعمار، نسجها الغدر والاحتقار والخنوع. جزالة السبك، وسلاسة التوصيف، ورشاقة الجمل، طوعت ما قد يستغلق من وعورة أسماء الناس والأماكن والأشياء على من هو قليل معرفة بالمناخ الموريتاني، ولعبتْ اللغة في هذا العمل الصادم وظيفة المِثال العالي مُنتَجاً من تاريخ وثقافة «المحظرة» الموريتانية.
نحن هنا في ناحية ما في الجنوب الموريتاني، في ما حدده البان بـ«وادي الحطب» الواقع في منطقة تامشكط، وكلاهما جزء من أفله، والزمن أربعينيات القرن الماضي، والاستعمار الفرنسي يتحكم في طول وعرض الصحراء وأهلها وقبائلها، شمالا نحو نواكشوط وشنقيط ثم المغرب، وجنوبا إلى مالي والسنغال وسواهما. ناس المكان تتوزعهم قبائل ومشيخات متصارعة، العرب «البيضان» هم الطبقة الأعلى اجتماعيا يعتاشون على أملاكهم من الإبل والماشية، والعبيد «السودان» هم الطبقة الأسفل، استرقتهم القبائل، إما عبر غزواتها على نواحي السود الافارقة، أو من خلال شرائهم. البيظان أنفسهم ينقسمون إلى أشراف وآخرين، ومنهم الـ»حراطين» و«لمعلمين» من أصحاب الصناعات اليدوية المتنوعة ـ والمرذولة.
يطوي القارئ فصول الرواية مُحتارا، شغوفا، مُحباً، ناقماً، مصدوماً، متأملاً، وفي النهاية مُحبطاً إذ تنتصر سكاكينُ اللاهثين وراء المشيخات، على محابر علماء المحاظر وسيوف المقاومين. انقبضتْ، على الأغلب، قلوبُ قراءٍ كثر وهم يقلبون الصفحات الأخيرة من الرواية، وميلان ميزان البطش والظلم والإجحاف والخديعة والعنصرية يزداد انحدارا. لم يتبدَ في أفق الختام أي ملامح لتعديل أنصبة البشاعات وهي تطحن ما تبقى من رجاء.



