” لا الناهية” واقعية سحرية لرواية صفحات من تاريخ العراق الأدبي والسياسي والاجتماعي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد أحمد فاضل ان الروائي صادق الجمل في روايته” لا الناهية” اعتمد الواقعية السحرية لرواية صفحات من تاريخ العراق الأدبي والسياسي والاجتماعي
وقال فاضل في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): يفاجئنا الجمل بعد سلسلة من الأعمال الروائية والقصصية ومسرحية واحدة بأن العودة إلى اللهجة الدارجة ضمن حواريات روايته الأخيرة التي بأيدينا ” لا الناهية ” هي عودة لا يمكن أن تحط من أي عمل روائي يلتزم الجانب التقليدي الذي عرفت به الرواية العربية باحتوائها اللهجات الدارجة لكل بلد وللكاتب محمد المنقري رأي جميل في هذا المزج يقول عنه : ” الرواية كما أظن عالم يتوازى مع الحياة بكل تنوعها وأطيافها ، وحراكها ، وناسها ، وأساليب تعبيراتهم ، واللهجة الشعبية جزء أساس من اليوميات وعبرها تفيض الدلالات الأكثر ثراءً وعمقاً في نقل الواقع والتعبير عن إيقاعاته.
وأضاف :من هنا نستطيع الولوج إلى رواية الروائي صادق الجمل ” لا الناهية ” الصادرة حديثا عن دار المرتضى للنشر والتوزيع في بغداد وبواقع 192 صفحة من النوع المتوسط زينت غلافها لوحة معبرة للفنان التشكيلي علي عبد الكريم والتي توحي بما ستقوله الرواية من أحداث .
وتابع : ان الجمل استطاع وبحرفية عالية الاقتراب بقوة من الواقعية السحرية ونقلها هنا وذلك بتشكيله للأشخاص الذين نعرفهم من خلال بصمتهم الأدبية والشعرية وبعث الروح فيهم من جديد من خلال علاقة بطل الرواية مجيد بهم دون أن يكون سببا في حجب قدرة الرومانسية على التلاعب في بياناته العاطفية التي حفلت بها الرواية أو السوسيولوجيا التي صاحبت مكانها وزمانها ، وقد جاءت قيمة ذلك الخيال الواقعي ليكون متلازما على وجه التحديد في مزج عناصر متقابلة في سياق هذا العمل الأدبي لتختلط الأوهام والمحاولات و التصورات الغريبة بسياق السرد الذي ظل محتفظا بنبرة حيادية موضوعية كتلك التي تميز التقرير الواقعي للرواية .
واوضح :لقد وظف المؤلف من خلال تلك التقنية عناصر كانت موجودة فعلا وقد شغلت صفحات طويلة من تاريخ العراق الأدبي والسياسي والاجتماعي جعل لها قدرة التشكل والوضوح كقدرة الشخصية الواقعية وتصويرها بشكل يذهل القارئ و يربك حواسه فلا يستطيع التمييز بين ما هو حقيقي وما هو خيالي معها فجميع الكتاب والشعراء الذين كانوا يترددون على محل مجيد هم كانوا أحياء في تلك الفترة من خمسينات القرن الماضي حتى وقت متأخر منه أما حكاياتهم ودعاباتهم فقد اشتهروا بها استطاع الجمل وبذكاء القارئ لهم أن يستعين بها في توليفته الحكائية للرواية والظروف التي كان يمر بها البلد حينها .
واستطرد :وبدءا من ” كرماني ” الشاعر الذي قال ” لا ” لتيمورلنك والذي استشهد بروايته الجمل نقلا عن مكسيم غوركي ( 1 ) تتنقل هذه “اللا” فصول الرواية الخمسة بين زمكانيتها وشخوص أبطالها في خمسينات القرن الماضي حتى ثمانيناته ، في محلات بغداد الشعبية كباب السيف ، الفضل ، الشواكة ، وشارع غازي ، ومجيد وأمه فضة ، ووحيدة الزوجة ، وعالية الأخت ، وجمهرة من المثقفين أدباء وشعراء بدءا بحسين مردان وانتهاءً بالجواهري لتقف عند بطلها مجيد الذي صارع الحياة بقلب قوي وإرادة لا تلين وفكر وضاء متجاوزا لجميع ما مر به من محن ، هروبه من الخدمة العسكرية .
واكمل : حتى إذا ما مر به العمر سريعا وأصبح لا يطيق حياته بسبب نفاقها ورحيل العديد ممن تعرف عليهم وأكدار وحيدة تاركا ذلك البهرج الذي تميز به حتى إذا أصبح شخصا آخرا رث الثياب بوجه غير الذي كان يحمله آثر الانزواء في ركن قصي من محله لأنه ما عاد يحتمل صراخ أطفال محلته ونعته بالجنون وأوكل إدارة محله إلى عامله المخلص الأسطى عباس الذي فوجئ يوما بسيارة عسكرية تتوقف أمام المحل ليترجل منها شاب أنيق جميل زاهي يفور شبابا ونجمة خماسية تلمع فوق كتفه .. ترجل من السيارة ودخل على الأسطى عباس الذي بقدر خوفه وارتباكه بقدر إعجابه بهذا الشاب اليافع ، قام من وراء المنضدة يستقبله ببشاشة مرحبا خائفا مرتبكا وصورة العسكر التي كانت في يوم ما فخر واعتزاز صارت اليوم مدعاة للخوف والشرود بأفكار سوداء – في إشارة للحكم الشمولي الذي ابتلي به العراق – تنبئ عن مجهول ” ( 2 ) ، وبعد حديث سريع بينهما فاجأه الضابط الشاب بسؤاله عن مجيد الذي كان يراقبه من خلف ستارة تفصله عن المحل وبعد التعرف عليه خرج ليلتقيه بالأحضان لأنه كان صديقا قديما محبا للأدب حسبه بداية جاء ليلقي القبض عليه بسبب هروبه القديم من الخدمة العسكرية الذي أخبره أنها سقطت دعواها بسبب العفو العام الذي صدر عن الحكومة وأنه يمكن أن يخرج مرفوع الرأس فدهش مجيد مستفسرا فأجابه أحمد :
– بحكم موقعي قرأت تقريرا عنك وآني أتصفح ملفك .
– تقرير عني .. ليش عرفتوا آني هارب من الجيش ؟
– مو بس هاي .
– بس شنو ، يمعود كمل ؟
– أكو تقرير من الفضل يكول أنت قاتل محترف وقضيت على كل الأشقياء .
سحب سيكارة من العلبة وقدم لأحمد واحدة ، وقال :
– إي كمل ..!!
– فأهمل التقرير
– ليش !!
– لأن جماعتنا هُمه وراء تصفيات الاشقيائية وصفحتهم انتهت من زمان ، ولم يعد هناك شقي يشكل خطر والدولة استفادت من مقتل أبو عوف وتركتهم يتقولون عليك والدولة تعرف أنت بريء من دمه “،… لاحظ كيف تنساب اللهجة المحلية بكل يسر لتختلط حروفها مع الفصحى وهي بكل المقاييس لا تثقل على القارئ ولا تكون سببا في تخريب اللغة كما قال عنها طيب الذكر طه حسين.



