اخر الأخباراوراق المراقب

الشرك بثوب جديد!

محمد علي جواد تقي..

{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً}

سورة النساء، الآية: 48

الشرك هذا المفهوم السلبي، ارتبط من حيث النظرية والممارسة بعبادة الأصنام المصنوعة من الحجر او الخشب على مدى قرون متمادية من تأريخ البشرية، ثم جاء الإسلام ببشارة التوحيد على يد الرسول المصطفى محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، ليعطي الناس في مكة والجزيرة العربية، بل وفي العالم أجمع، بديلاً منطقياً وعقلياً عن فكرة الشرك في العبادة، بعبادة الله الواحد الأحد دون سواه من الاشياء والاشخاص، وقد كشف القرآن الكريم جانباً صغيراً من الضرورة العقلية للتوحيد بأن {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}.

وقبل الخوض في موضوع الشرك وأبعاده الجديدة في العصر الحديث، يجدر التفريق بين الشرك والكفر الذي حاربهما الاسلام دون هوادة في وقت واحد، فالكُفر في اللغة يعني إخفاء الشيء، بينما الشرك اصطلاحاً يعني إخفاء أشياء وإظهار أخرى، فالكفر يعني بإلغاء الحقائق او التنكّر لها، فالإنسان يكفر بنِعم الله –تعالى- عليه لعدم إيمانه بالغيب وعبادته لذاته وما تنتجه من الاشياء في هذه الحياة، وأيضاً نراه يكفر برسالات السماء كعنوان عام لممارسة التمرّد والعصيان ضد حركة الانبياء والرسل على شكل تكذيب، واتهام، وتسقيط لإلغائهم من الساحة الاجتماعية.

أما الشرك، فهو خطوة لاحقة في العقيدة المناقضة لعقيدة التوحيد، فالانسان المُشرك ليس بالضرورة يكفر بوجود الخالق، وبالرسالات الإلهية، إنما يحاول الالتفاف على حقيقة الجحود لديه بإشراك شيء أو أشخاص آخرين الى جانب الله –تعالى- برسم العبادة، ولذا كان عرب الجزيرة العربية غير مُنكرين لوجود الله –تعال- وأنه الخالق، بيد أن وسيلتهم اليه كانت الأصنام والأوثان، ولم يقبلوا بأن يكون واحداً منهم و إنسان مثلهم رسولاً من قبل رب العالمين، ولذا كانوا على استعداد كامل لمفاوضة النبي الأكرم في بدايات دعوته لثنيه عن اكتساح عبادة الأوثان نهائياً، ومن محاولاتهم؛ أن يتبادلوا معه العبادة، سنةً يعبدون الله الواحد الأحد، و سنة أخرى يشاركهم هو في عبادة الأصنام، وهو ما رفضه رسول الله بشكل قاطع امتثالاً لسورة كاملة نزلت من السماء باسم: “الكافرون”: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}، في إشارة واضحة الى استحالة إشراك عبادة الأصنام مع عبادة الله الواحد الأحد مهما كانت الوعود والادعاءات، ويبدو أن تسمية السورة بالكافرين لأن الكفر و… كان العنوان الأولي لعقيدة وسلوك أهل مكة آنذاك، ومنذ ذلك الحين أوصد النبي الأكرم هذا الباب في مجال العبادة، والحكم، والتشريع بوجه كل من تسول له نفسه تمرير ما يوافق رغباته ومصالحه تحت رداء الدين.

الشرك فيروس الشرعية السياسية

يروى عن الإمام الصادق، عليه السلام، أنه قال ذات مرة: أن الأمويين أطلقوا حرية الحديث عن التوحيد وأمسكوا الحديث عن الشرك” –مضمون الرواية- لسبب بسيط أنهم يستفيدون من الحديث عن التوحيد كونه كما يعتقدون يعزز شرعيتهم السياسية وأنهم الامتداد لحكم رسول الله، مع تأكيدهم على أداء الفرائض الدينية، والالتزام بالشريعة ولو بشكل ظاهري، بينما الشرك وتطور تطبيقاته العملية في الحياة السياسية منذ تلك الفترة، يستهدف شرعيتهم السياسية القائمة آنذاك على الوراثة الملكية بما يشبه التأليه والحكم المطلق في قيادة الامة.

هذه النظرية راقت لمن جاء بعدهم من الحكام وما تزال الأمة مبتلاة بهذه الفتنة السوداء التي يفرضها أهل الحكم والسلطة عليهم عنوة وخلافاً لمنطق العقل والحكمة، فالمشكلة لم تعد مع الدين ولا مع الله –تعالى- ولا حتى مع النبوة والإمامة، وجميع الأركان والمبادئ والقيم، إنما الجديد في الأمر، إقران كل ذلك مع “أرباب من دون الله”، ومع “نبوءات” برسم الابداع الفكري، مع حزمة كبيرة من القوانين بدعوى الحداثة والعصرنة، والحاجة لتلبية حاجات الانسان الجديدة، “أنت موجود، وأنا موجود، كلامك حقٌ، وكلامي حق؛ فتعال قسمٌ لي، وقسمٌ لك، والله خير الرازقين“!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى