ثقافية

“بيت النقب” تمارين على توريث المنفى

المراقب العراقي/ متابعة…

قطعت سوزان الفرا ثلاث قارات، وانتظرت ما يربو على نصف قرن، كي تصل في خاتمة المطاف إلى قناعة مفادها أن البيت الأول يسكن صاحبه، لن يفارقه وإن هُجّر منه، جالت في أكثر من بلد، سلكت طرقات وبحارا، ركبت بواخر وحافلات، غامرت من شرق بحر أبيض متوسط إلى جنوبه ثم شماله، بدون أن تتوقف عن مغازلة حلم العودة المؤجل، جعلت من منافيها المتعددة أرضاً لها، هي ابنة المنفى وكاتبته، حولت كل بلد ساقها إليه قدر عائلي أو سياسي هوية لها، تبنت المطارح التي انتبذت إليها، سايرت لغات ولهجات، وهي تحلم كلما أغمضت عينيها ليلاً ببت الأهل في (النقب) في مدينة بئر السبع، لا تزال أنقى ذكرى لها عنه حين زارته برفقة والدتها وشقيقها، وقد صار للبيت ملاك جدد، كانت تلك آخر رحلة لها إلى بيت ولادتها ومنشئها، قبل أكثر من أربعة عقود، تحولت بعدها حياتها وتقلبت بين نقائض، وسارت على إيقاع طفرات لا تختلف عن طفرات تاريخ شرق أوسطي متفجر، مؤمنة بأن سيرتها ليست سوى رحلة قصيرة سوف ينتهي بها الطريق بالعودة إلى بئر السبع، تلك العودة التي باتت مستحيلة اليوم، ففي ذاكرتها، لا ربيع سوى ربيع بئر السبع، لا مساءات تروق لك كمساءات بئر السبع، كانت سوزان الفرا تنأى عن مدينتها الأولى، وهي تشعر بأنها تدنو منها، درست وأحبت وتزوجت وأنجبت، فجعلت من منفاها مسألة عائلية، ألا تتحمل مشاقه وحدها، بل تقتسمه مع ابنيها، أن تورثهما حكاية البعد، أن تبث فيهما نار العودة، ذلك ما تخبرنا به في كتاب «بيت النقب» الذي صدرت ترجمته من الفرنسية إلى العربية عن دار العين (مصر) ترجمة ندى الأزهري.

«لعل المنفى وراثي، دروبه مرسومة لنا واستمراريته مقدرة على حياتنا» تكتب سوزان الفرا سيرتها وشذرات من تاريخ عائلتها، اجتمعوا في قدر واحد: الشتات، بدءاً من أمها التي تزوجت من والد الكاتبة، رغم الاختلافات الاجتماعية بينهما، فخاضت أول منفى لها، بأن تغيرت نظرة الأهل لها، تلك كانت العزلة الأولى التي سوف تشرع الباب نحو عزلة تتلو أخرى، ثم تواصل الترحال، مع سفر والد سوزان إلى السعودية، للعمل في مصرف، فالتحقت به مع أمها وشقيقها، لكن لم يطل مكوثهم هناك، قبل أن يركبوا البحر وصولا إلى مصر، ومن هناك إلى الجزائر براً، التي دخلوها من بابها الشرقي، قطعوا طرقات ليبيا وتونس، وقد صار والدها مدرسا للغة العربية، في بلد تحرر لتوه من الاستعمار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى