اراء

“القيادة من الخلف سمة الديمقراطيين”

بقلم / ماجد الشويلي…
ترى ما الذي يدفع بحلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى تغيير مهمته الدفاعية التي شُكِّل لأجلها ، والتي دافع عنها كثيراً ، وكانت مثار جدل وخلاف واسع بين أوروبا وأمريكا برز جلياً في الموقف الأوروبي من غزو أمريكا للعراق .
كان جوهر الخلاف بين الأوروبيين _بقيادة فرنسا وألمانيا _مع الأمريكيين يتعلق بإدارة المحافظين الجدد للولايات المتحدة وأطروحاتهم التوسعية ، وبين تطلعات أوروبا الرامية لترجمة ثقلها الاقتصادي إلى فواعل سياسية قادرة على لعب دور مؤثر في السياسة الدولية .
فالموقف الأوروبي من غزو العراق لم يكن موقفاً مبدئياً بالمرة .
فقد طالب المستشار الألماني حينها بدور أكبر لأوروبا في حلف (الناتو) بحجة أن التحديات التي تواجه العالم باتت أوسع من النطاق التقليدي لعمليات الحلف ، وهي لاتتطلب الحلول العسكرية في المقام الأول .
بمعنى أنه كان يلوح بضرورة مشاركة أوروبا للأمريكان في الكعكة العراقية .
هذا الموقف النفاقي لم يكن من الجانب الأوروبي فحسب وإنما قابله موقف نفاقي آخر من الجانب الأمريكي ، كان يهدف لابتزاز الأوروبيين حينما حاول ترامب دق إسفين الفُرقة بين الأوروبيين القدامى وتلك الدول التي التحقت مؤخرا بالحلف من أوروبا الشرقية .
كانت إدارة ترامب تجد في الناتو عبئاً ثقيلاً عليها ، لذلك دعم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بل إنه حاول إيجاد بديل لحلف الناتو في أوروبا الشرقية حينما دعا لتشكيل حلف وارسو الجديد في 13 فبراير/ شباط/ لمحاربة إيران، يضم كلا من مصر والأردن ودول الخليج ،لكنه أخفق في ذلك ولم يُكتب له النجاح.
ترامب كان يأمل من حلف وارسو الجديد أن يكون نواة (لناتو) عربي يقف بوجه إيران ويحجم من الدور التركي في المنطقة مستقبلاً .
فالعرب أكثر ضمانة لأمن إسرائيل والمصالح الأمريكية من الأتراك الذين حاولوا استغلال عضويتهم في الناتو لخدمة مصالحهم في سوريا وليبيا تحديداً .
لكن حينما أدرك الأوروبيون خطأهم بمعارضة غزو العراق ، لم يرغبوا بتكراره خاصة فرنسا التي ذهبت سباقة لغزو ليبيا حتى دون علم البريطانيين بتنسيق تام مع الأمريكيين تعويضا لما رأت فيه خسارة في المرة الأولى.
الآن يبدو أن الطرفين أوروبا النافذة في (الناتو )وأمريكا العاجزة عن إدارة ملفات الصراع لوحدها في منطقة غرب آسيا ومع الصين ،
وجد كل منهما أن الحل في التخادم وتشبيك المصالح مجددا .
فالغول الصيني القادم من الشرق سيعزز النفوذ الروسي في أوروبا كذلك، وعندها ستضطر أوروبا للركوع الاقتصادي أمام هذا التكتل الاقتصادي الهائج الذي سيرسم معالم النظام العالمي الجديد بعيدا عن تأثيراتها.
أوروبا لاتثق بأمريكا ، فهي لاتستبعد أن يتم التوافق بين الأخيرة والصين على حسابها في أية لحظة لتجد نفسها قد فقدت جميع امتيازاتها في ظل النظام العالمي الجديد الذي بات بحكم الأمر الواقع .
فقد دعا الأمين العام للحلف (بيتس ستولتنبرغ) ترامب إلى مقر الحلف في (بروكسل )وخلال الزيارة التقى رئيس المجلس الأوروبي (شارل ميشيل)
وصدر بيان للمكتب العسكري في الحلف وجه فيه الشكر للرئيس بايدن ووصفه بأنه مؤيداً قديماً للأطلسي.
كما صدرت عدة تغريدات مهمة عقب ذلك اللقاء.
فشارل ميشيل ((رئيس المجلس الأوروبي)
قال ؛ دعونا نُعِدْ تحالفا قويا بين أوروبا والولايات المتحدة ))
رئيسة المفوضية الأوروبية (أورسولا فون)
غردت؛(( إنها بداية جديدة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ، اتحاد أوروبي قوي وولايات متحدة قوية يعملان معاً ويمكن أن يصوغا الأجندة العالمية على أساس التعاون والتعددية والتضامن والقيم المشتركة))
ما دفع بايدن بأن يوجب على بريطانيا احترام اتفاقية خروجها من الاتحاد الأوروبي لأنها تحمي السلام في آيرلندا وإلا فلن يكون هناك اتفاق تجاري معها !!
بايدن بدوره وفي معرض رده على خطوات التقارب التي أبدتها أوروبا عبر الناتو أبلغ (ستولتنبرغ) نية إدارته العمل مع أعضاء الناتو بشأن المسائل الأمنية المشتركة للناتو مثل روسيا ،وأفغانستان ،والعراق .
وهذا ما يفسر طلب الحكومة العراقية المبهم من حلف شمال الأطلسي توسعة تواجده في العراق.
الأمين العام لحلف شمال الاطلسي (بيتس ستولتنبرغ) صرح بشكل رسمي أن دول الحلف ستزيد من عدد أفرادها في العراق إلى 4000 عسكري لمهمات التدريب ودعم القوات العراقية في تصديها للإرهاب،
مع التأكيد أن الطلب هو التواجد مع الاحترام الكامل للسيادة .
والجدير بالذكر أن حلف (الناتو) نهاية عام 2011 أوصى بسحب جنوده من العراق بعد أن رفضت بغداد منحهم الحصانة .
جاء ذلك على لسان مستشار الأمن القومي الاستاذ فالح الفياض.
من هنا نفهم الدوافع التي حدت بالحكومة العراقية للتقدم بطلب زيادة عديد قوات حلف الناتو لأنها حكومة تؤمن بضرورة استمرار التواجد الأمريكي ؛ لكنها في الوقت ذاته تسعى لإيجاد مبررات موضوعية للتخلص من عبء الضغوطات الرافضة للتواجد الأمريكي .

وهنا التقت مصلحة الطرفين أمريكا والحكومة العراقية، بإيجاد الحل الوسطي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى