المقاومة في الأدب المغربي

رشيد سكري…
في سنة 1974 نشر عبد الكريم غلاب كتابا عنونه بـ«مع الأدب والأدباء»، أشار فيه إلى النضج الفكري، الذي طال الأدب المغربي. وفي السياق ذاته، ركز غلاب، بالخصوص، على جنس القصة القصيرة والرواية، باعتبارهما إحدى وسائل الاحتجاج الفعالة، التي يلجأ إليها الكاتب والأديب. فبعيد الاستقلال ظهرت أسماء شابة وطموحة إلى تغيير الأوضاع، والنضال ضد جيوب المقاومة، التي تدافع عن الوجود الفرنسي في المغرب. وفي مقدمة هذه الأسماء نجد: عبد القادر السميحي وعبد الجبار السحيمي، ومحمد الصباغ ومحمد برادة وأحمد عبد السلام البقالي ومحمد بيدي وربيع مبارك ورفيقة الطبيعة وخناتة بنونة وغيرهم. إلا أن النضال السياسي لم يعن في الساحة الأدبية، إلا مع صاحب رائدة الأدب السيري «في الطفولة» عبد المجيد بن جلون، من خلال مجموعته القصصية «وادي الدماء». وكانت بذلك إشراقة حقيقية في المقاومة والفداء. وفي هذا الاتجاه، كانت القصة القصيرة المغربية تمثل التيار المشرقي، المناهض للحملات الصليبية، التي تخضع لها هذه الربوع من الوطن العربي. فجاءت أساليب هؤلاء الشبان خالية من التنميق اللغوي، بل دأبت قريحتهم على فضح ألاعيب المستعمر بلغة فنية واضحة، تباشر الواقع من زوايا مختلفة. في حين كانت الرواية ما زالت قيد التشكل البطيء، باستثناء بعض الأعمال الروائية، التي انفلتت من عنق الزجاجة، وتعد على رؤوس الأصابع في مقدمتها، «جيل الظمأ» لمحمد عزيز الحبابي، و«أكادير» لمحمد خير الدين، و«المعلم علي» لعبد الكريم غلاب.
وفي السياق ذاته، نجد أن أحمد الزيادي في كتابه «تاريخ الوطنية المغربية من القصة القصيرة» دراسة ونصوص، ربط فيه الكاتب بين رافدين أساسيين للمعرفة؛ التاريخ والأدب. هذه الدراسة، ذات المنهج التاريخي، كان لها طموح كبير عند الزيادي، حينما كان ينظر إليها كما نظر عموم طلاب الجامعات الفرنسية، إلى روايات وقصص بلزاك، حيث يلجأون إلى الاستزادة بالحقائق المعرفية وأصولها التاريخية من إبداعات الأديب، والنهل منها عوض المؤرخ.
وبهذا العمل أخرج أحمد الزيادي إلى العلن كتابا مغاربة مغمورين، من خلال نشر أهم نصوصهم لأول مرة، التي تؤرخ لفترات حرجة مرّ بها المغرب. وعلى رأس هؤلاء الكتّاب نجد، محمد حصار، وعبد الحفيظ العلوي، محمد الزيزي، والتهامي الوزاني، وأحمد الخضر الريسوني وغيرهم… فالثيمة الأساسية، التي تؤلف بين هذه النصوص، تسلط الضوء على الأصول والجذور، من خلال إبراز المعاناة الحقيقية التي يعيشها المغاربة تحت سلطة القمع والاضطهاد والنفي والإبعاد من طرف السلطات الفرنسية. فكما جاءت قصة «أبحث عن بربري» للكاتب محمد حصار، التي نشرها لأول مرة سنة 1933 في مجلة «مجلة المغرب»، لتصور رحلة أراد أن يقوم بها مدير المجلة إلى جبال الأطلس الشامخة. في هذه التجربة، والتزاما بأخلاقيات مهنة الصحافة، ينظر المدير إلى أن الوفاء، الذي يربطه بالقراء، من الواجب أن يحافظ على وشائجه وطقوسه، إلا أنه تفاجأ برسالة من أحد زملائه يثنيه فيها عما اعتزم القيام به، ومرد ذلك رؤيا عجيبة راودته في منامه، تقضي بعدم التفرقة بين البربر والعرب؛ لأنهما ينحدران معا من نسل آدم عليه السلام.
فالمقاومة في الأدب المغربي، لم تطل على ما هو مألوف واعتيادي؛ وإنما القصدية من ورائها هي تثمين أدب ظل في عتـْمة النسيان. فما مصير الإبداع الحديث والمعاصر، إذا لم يتشرب ويتفيأ ظلال الأصول؟



