«كتاب الظل» أساطير مدهشة في عوالم الجمال

عبد الرحمن حلاق…
ما قدّمته الروائية ابتسام تريسي في روايتها الأخيرة “كتاب الظل” من إنجاز يختلف في موضوعه كلياً عمّا قدّمه المنجز الروائي العربي ـ على الأقل ضمن ما اطلعت عليه ـ فقد خلقت في روايتها الأخيرة مجموعة من الأساطير المدهشة في عوالم الجمال، تتكئ في مجموعها على مفاهيم (الحب والعطر والورود والموسيقى) كاشفة الوشائج العميقة بين أرواح شخصيات الرواية، وأرواح النباتات والأزهار وحتى الأحجار، في إطار مكاني شاسع يمتد من الصين واليابان وصولاً إلى فرنسا وإيطاليا، مروراً بعدد من الدول العربية في المشرق والمغرب، حيث يطارد تاجر العطور عبد الحي “معنى الورد” يريد الوصول إليه، وتطارد العرافة تيلا “سليلات العطر” تريد جمعهن في محمية نسوية خاصة تُنشئها لهذا الغرض وسط الجبال الإسبانية. وتطارد تيلا (الأخت الصغرى) أسطورتها الخاصة حيث تتواطأ معها الأقدار في ذلك.
بعد الانتهاء من قراءة الرواية سيجد القارئ نفسه يتساءل ويعيد تركيب الحكاية أركيولوجيا، ثم سيتمعن قليلاً بمجموع الأساطير التي تمثلت كلٌ منها على شكل امرأة لا يمكن الوصول إلى روحها، إلا عبر معرفة كل الأسرار المتعلقة بواحدة من الورود بعينها. وسيجد القارئ نفسه أمام اثنتي عشرة امرأة تقمّصت كل منهن روح وردة من الورود، توزعت النسوة على امتداد بقعة جغرافية موزعة في ثلاث قارات. ومع أن كل واحدة منهن تمثل أسطورة بعينها، لكن الذي يمنح هذه الأسطورة امتدادها رجل واحد (الفتى الباحث عن معنى الورد) حكمت عليه إحدى العرافات بقولها: (أمامك طريق فيه اثنا عشر كوكباً، ستقضي ليلة واحدة مع نساء يحملن روح الأرض في جيناتهن، وكلما تدفق ماؤك في رحم امرأة زرعت فيها شتلة عطر، وأصبحت محرمة عليك.. وستبقى في بحث دائم عن امرأة تنجب لك ذكراً يستمر به نسلك، لكنك لن تحصد إلا الريح والبنات).
ومع تنامي الحدث تمضي الأسطورة قدماً نحو الاكتمال، عبر عرافة جديدة تبحث عن أبيها الذي يشكل أيضاً أحد تفرعات الأسطورة، لكنها تلتقي الفتى الباحث عن معنى الورد وتعشقه، إلا أن الأقدار جعلته محرماً عليها، يمنحها أسراره وتراتيله الخاصة قبل الموت، فتكمل طريقها للبحث عن (سليلات العطر) اللواتي ولدن من أولئك النسوة، لتتمكن أخيراً من جمعهن جميعا في محمية خاصة وسط جبال إسبانيا. ضمن نظام محدد وتراتبية محترمة وتتميز كل واحدة منهن، بأنها ورثت عن أمها روح الوردة فجعلتها محور حياتها علمياً وعملياً. مع اقتراب موعد تتويج تيلا الصغيرة الحاملة للرقم 12 عرافة للمحمية، بعد أن تعلمت فنون أخواتها جميعاً، وأضافت لكل منهن علماً جديداً، وجعلت المحمية تكتمل من حيث البناء والمعنى، نراها تقرر أن تتماهى مع روح والدها فتمنح الأسطورة معنى جديداً للحياة غير ما أرادته العرافة تيلا.



