ثقافية

“عودة البحار” إيقاظ الحقيقة النائمة وتجميلها بالأكاذيب

 حامد الناظر…

الحقيقة ليست ضرورية في كل الأحوال، وليست مهمة كذلك عندما تفسد بهجة الحياة كما لا يفعل أي شيء آخر، بل العكس، قد تصلح الأكاذيب الجميلة في إضافة مباهج ضرورية على حيواتنا بشكل لا غنى عنه.

هل نتخيل مثلا بحاراً من دون سفينة؟ من دون أن يلمس دفة أو مرساة على الإطلاق؟

من دون أن يركب البحر ولو مرة واحدة في حياته؟ لكنه يحكي عن مغامرات بحرية لا حصر لها، وسفن وموانئ لم تطأها قدماه. لدينا هنا واحد من هذا النوع المُلهَم.

يحمل رتبة رئيس بحارة مع أوسمة رفيعة ومناظير وتلسكوبات وأطقم مختلفة من لباس البحارة وغلايينهم لدينا كذبة طويلة جميلة أغنت حياة (الكابتن فاسكو موسكوسو دو أراغان) وجعلتها أقرب إلى الأسطورة.

في لحظة تجلٍ نادرة يؤكد القاضي المتقاعد الدكتور ألبرتو سيكويرا ـ الذي تخونه عشيقته دائمًا مع مؤرخ القرية الصغير، خلال ساعات القيلولة التي تشهد غيابه ـ يؤكد فضيلته أن الحقيقة «ملقاة في قرارة بئر وعارية» فالبئر ليست بئراً والقرارة ليست قرارة، وإن هذا يعني أن الحقيقة يصعب نيلها، وأنها لا تعرض نفسها عارية في الأسواق أمام كل إنسان، ولكن علينا البحث عن حقيقة كل واقعة، وأن نغرق أنفسنا في ظلمة البئر لكي نصل إلى نورها القدسي».

أما المؤرخ المتهتك الذي ينام مع عشيقة فضيلته دوندوكا السمراء في ساعة القيلولة، يروي لنا حكاية البحار الماكر الكابتن فاسكو موسكوسو دو أراغان يقول «صدقوني إن رغبتي، ورغبتي الوحيدة، هي أن أكون موضوعياً، وبعيداً عن العواطف، رغبتي هي البحث عن الحقيقة وسط المجادلات، ونبشها من الماضي بدون انحياز، وتعريتها من الصيغ المتناقضة، التي نسجها الخيال من أجل إخفاء الحقيقة العارية ولو جزئياً».

«عودة البحار» للبرازيلي جورج أمادو (1912 ـ 2001) ترجمة ممدوح عدوان ـ دار العودة 1997 تقول لنا: إن القليل من الأكاذيب الرائعة من شأنها أن تجعل حياتنا جميلة، بشرط أن نترك الحقيقة مرتاحة هناك في مكانها، في قرارة البئر، ومن دون أن نقلق راحتها، فالحقيقة التي جعلت طاقم السفينة (إيتا) وضباطها ورجال الجمارك والبحارة المخضرمين وعمال المرفأ، يسخرون من الكابتن فاسكو موسكوسو دو أراغان وهو يغادر السفينة على مرفأ بيليم مجللا بالعار لن نتعاطف معها البتة. الطبيعة وحدها ستتعاطف مع أكاذيب الكابتن فاسكو حين تثأر له منهم جميعاً فيعود إلى قريته بريبري مجللا بالنصر والمزيد من الأوسمة الحقيقية هذه المرة، لينتصر بالضربة القاضية على كل المتشككين في حقيقة حياته وأولهم شيكو باشيكو، موظف الجمارك السابق، الذي حمل على عاتقه إيقاظ الحقيقة النائمة في قرارة البئر فغادر القرية مهزوماً وإلى الأبد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى