هندسة البناء الروائي والكتابة في رواية «موت مختلف»

المراقب العراقي / متابعة
«تغمرني رغبة كاسحة في أن أسرد رحلتي بطريقة ما، لتبدو المراحل والقسمات ماثلة بارزة، فتسعفني ربما على أن استوعب مسارا خضع للارتجال والنزوة، والجري وراء أحلام عزيزة المنال». كانت هذه هي التعويذة الروائية التي أجراها المؤلف على لسان سارده الرئيسي، ليبرر بها دواعي خروج النص إلى التلقي، غير أن أستاذَ الفلسفة منير في رحلة استرجاعه هذا المسار الدال والطويل، لا يغفل ملابسات الذاكرة وقدرتها على التمويه، فيقول: «أعرف أن استعادة حياتنا بأي شكل نختاره، لا تساعدنا على حذف مقطع أو صورة من فيلم الذاكرة، المشتبك مع تفاصيل واستيهامات لا ندري من أين تنبثق»، بهذا الشكل يفتح أمامنا محكيات ومخفيات العلبة السوداء القابعة في أعماقه، ويستدرجنا إلى مسقط الرأس، فضاء الانتماء الأولي للهوية، التي «تبدأ واضحة، رنانة، قبل أن تسلك مسارب الالتباس والتحول وتنحسر في نطاق فقدان اليقين».
من آيات نباهة وفرادة هذا العمل أن بنية النص وهندسته تخدمان الرهان الروائي بشكل مكين، إذ نحس كأننا في متاهة وجود سردي وتجربة حياة متفلسفة لا استقرار فيها ولا ثبات، وهو ما تبغي الرواية إبلاغه جماليا. من حيث الوفاء لروح النص الفلسفي التحليلي، بدأ السارد بصيغة الأنا في مقدمة تمهيدية حدد فيها الحكاية/ الأطروحة الإطار، إذ منير رجل غادر دبدو مسقط رأسه متجها إلى فرنسا عام 1965، ثم ها هو يعود إليها بعد 47 سنة من الغياب الكامل. في هذه المقدمة يطرح السارد الأسئلة الإشكالية التي ستنبري أطوارُ السرد لبحثها وتحليلها، من هناك يبدأ منير كتابة مساره ببحث دواعي سفره واختياره الحضورَ في محيط وثقافة الآخر.
في الجزء الأول من العرض الروائي المعنون: « في بلاد الأنوار»، يعرض منير رحلة الولع المعرفي إلى فرنسا، هناك حيث انخرط في حومة النضال والمناخ الثقافي والسياسي، حالما بتحصين واسترجاع قيم الأنوار، مُعوّلا في ذلك على الاتجاه اليساري التقدمي. وبالانتقال إلى الجزء الثاني من العرض الروائي المعنون «العودة إلى مسقط الرأس»، تتناسل أسئلة المراجعة والمساءلة بعد ما يقارب نصف قرن من التجربة والالتزام العضوي، في النسق الثقافي الغربي. وصولا إلى الختام، يفتح السارد المحموم بالفلسفة الأفقَ الإنساني المشترك، مُتّبعا في ذلك الجدل الهيغلي، فمن فكرة الولع التام بالغرب/الأنوار، إلى نقيض الفكرة ومناقشة الإبدال الثاني بتأييد مرحلي للولع بموروث الأنا الثقافي والقيمي، ثم الخروج بالطرح الثالث، ذلك الأفق الحضاري المشترك الذي يتصادى مع دعوات هومي بابا في موقع الثقافة



