ثقافية

الحــدث في روايــة طشــاري لإنعام كجه جي

oi[popo

أحمد حميد
طشاري الرواية التي تتحدث عن طبيبة عراقية مسيحية أسمها (وردية) كانت قد ولدت في الموصل ثم درست الطب ببغداد وبعد تخرجها خدمت لسنوات طوال في مدينة الديوانية كطبيبة نسائية ثم بعد ذلك في بغداد. وبعد أن أمست (وردية) مسنة وشبه مقعدة ووحيدة في مسكنها البغدادي فأنها تضطر اضطرارا للذهاب لاجئة لفرنسا بسبب ما شهده العراق من أحداث بعد عام 2003 وبعد أن هاجر أفراد عائلتها الأقربون والأبعدون مثلما هاجر عراقيون مسيحيون كثيرون وأصبحوا (طشاري ما الهم والي). في المطار الباريسي تستقبل الراوية (الكاتبة ؟ ) عمتها وردية مع جمع من العراقيين المسيحيين الواصلين كلاجئين مثل (وردية). وبفضل (إستجواب) محايد تم تدوينه بأسلوب رشيق ورصين تنجزه الراوية لعمتها (وردية) ، تبدأ أحداث الرواية، برحلة إسترجاعية لمدينة الديوانية خصوصا، وللعراق عموما، ولأماكن أخرى في العالم، رحلة نتذوق خلالها طعم العسل وطعم العلقم.راهنت رواية طشاري منذ البداية على فكرة التجريب في السرد، فلا نجد فيها “حدثا” يتنامى ويتطور وفق عقدة وحبكة فنية جمالية معينة، فهي صور سردية صنعتها الكاتبة وفق لعبة الانتقاء الخاصة، فالإحداث التي تقدم لنا حياة البطل او الذات الراوية للحدث تأتي بشكل عشوائي دون منطق التنامي او التصاعد الدرامي، فالبطل يستدعي من ذاكرته إحداثاً لها خصوصية عنده على شكل لوحات سردية صغيرة, على شكل حلقات القصة الصغيرة والمتجاورة التي تسربت من القصة القصيرة والتي يرتبط وجودها بوجود السارد الواحد او الروي بضمير “الأنا” أحيانا أو المخاطب أحيانا أخرى.
كذلك استطاعت “كججي” إيهام المتلقي بان عملها هو سيرة ذاتية لبطلة القصة دكتور وردية، فقد سربت للقارئ بعض الإشارات التي تجعلنا نتوهم أنها سيرة ذاتية في حين إنها تتخذ من شكل السيرة الذاتية، كوسيلة للوصول بالاحداث إلى غاية معينة تجعل القارئ او المتلقي يتوهم انها سيرة ذاتية، وقد ساعده على هذا الإيهام استخدام “الانا” المتكلم مرة و ضمير المخاطب/مخاطبة الذات. (حتى صاحبة هذه الحكاية لا تعرف كيف حلت في فرنسا . خلعت الكفوف البلاستيكية المعقمة وازاحت قناني السبيرتو وأكياس القطن وتركت وراءها سرير الفحص، الذي تتمدد عليه العواقر والولادات.)ص70
كما استخدمت ضمير الانا / المتكلم (قربت العمة وردية رأسها مني لوت شفتيها جانبا وكانها ساخطة على الكون الذي لا يسير حسب مرامها)ص126.
يتضح من طريقة الروي للإحداث أن هناك دلائل تجعلنا نرى ان الاحداث في جميع أجزاء الرواية صيغت بطريقة إنطباعية جزئية واضحة وأول هذه الدلائل الإيهام بالسير ذاتية.
( لم أكن وحدي في الانتظار. رأيت حولي عراقيين جاؤوا لاستقبال أقارب لهم على الرحلة ذاتها. عائلات مسيحية تعرضت للتهجير والتهديد او فقدت افرادها في حوادث تفجير الكنائس)ص123.
فالراوي يحاول إيصال صورة محددة بالطائفة المسيحية تكشف حجم القمع والقتل والتهجير الذي اصابهم دون غيرهم من المكونات.
الجملة ألأولى في رواية (طشاري)، وهي تمام السطر الأول من الصفحة الأولى، تتكون من أربع كلمات لا يرد فيها ذكر إلا لقصر الأليزيه، أي القصر الرئاسي الفرنسي:
( هذا هو الأليزيه إذن).
تحضر مع عدد من العراقيين المسيحيين اللاجئين تمت دعوتهم من السلطات الفرنسية للقصر الرئاسي الفرنسي بمناسبة وجود قداسة بابا الفاتيكان في فرنسا. وداخل القصر نشاهد الرئيس الفرنسي الأسبق ساركوزي.
(ينزل من على المنصة ويتقدم إليها “وردية” من دون الآخرين ليصافحها، تأبط ساركوزي ذراعها وقادها على مهل ص10).
ونشاهد أيضا قداسة البابا بنديكتوس وهو (يمد لوردية كفا نحيلة كأنها من الخزف الأبيض. ص17).
وتبدأ الاحداث في الرواية بالتراجع والتدهور من لحظة تخلي البابا عن زيارة العراق حيث عدّته الكاتبة نذير شؤم عليهم تقول على لسان الراوي.
(يومها فقط هجست عمتي بأن الامور في البلد قد تعسرت مثل ولادة مات فيها الجنين في بطن الأم ).ص131
ان حدث امتناع البابا من زيارة العراق حدث مركزي مهم بنيت عليه باقي أحداث الرواية وهو موقف ثقافي أيديولوجي من الحياة والواقع،
اي ربط البنية الداخلية بالحدث الروائي، بالقيم الايديولوجية الخارجية فكل ما سيحدث بعد ذلك من ثورات وتحولات هو شيء لا قيمة له أمام تخلي البابا عن الحضور، فما تكشفه الرواية هو هذا الميل الاجتماعي والثقافي لدى جميع المكونات العراقية بما فيها المثقفة التي ترى الأحداث بعين الدين او الطائفة او العرق.
عمدت الكاتبة جعل جميع الاحداث مرتبطة بالمقدس لا بالمدنس، فضياع الوطن وغياب الأولاد والأقارب سببه تخلي المقدس عنا، لذلك لم تجد وردية لحظة أجمل من لحظة مقابلة البابا، لكن هذه المرة في فرنسا.
(مد لها البابا كفا نحيلة كأنها من الخزف الابيض، تمعنت في كفه وخمنت ان جلده لم يرَ الشمس ولم يغتسل الا بالكريمات. خافت عليه من ترقق العظام وتمنت لو كان دفتر الوصفات الطبية معها)ص17.حدث الاغتراب بالنسبة للدكتورة وردية والهجرة الى فرنسا، اضطراراً بدأ حاداً على نفسيتها، حيث بان ذاك الانعكاس السلبي عليها ولاسيما في بداية النصوص الاولى التي تتحدث عن هجرتها لبلادها. (وردية دائما شبه صامتة على كرسي متحرك تستعيد ذكرياتها وعلاقاتها مباشرة مع أقربائها في باريس وبالتلفون مع أقربائها في أصقاع العالم)ص15.
والرواية ما تزال في بدايتها، وأحداثها ما تزال تدور داخل (الأليزيه). حتى الصفحة (16)، تظهر مدينة الديوانية ويظهر أهالي الديوانية. لكن أي ظهور !
(مساقط للرؤوس وأخرى للأفئدة)ص19.
للديوانية محتفل بها في رواية (طشاري). الديوانية وشم لا يمحى:
( لقد وشمتها وردية، المدينة (الديوانية) وشما لا يشبه الريفيات، على ذقنها أو حاجبيها أو ظاهر كفها، بل على روحها. وهي “دكة” تحبها ولا تتمنى زوالها مع الوقت، ص33).
حدث الذهاب الى الديوانية حفر بعمق في ذاكرة العراقية المسيحية وردية.
(كل ما عاشته وردية قبل الديوانية قشرة بصل) وكل ما عاشته فيها (سيمد جذوراً ويرسخ وينمو ويتفرع ويخضوضر ويبرعم ويطرح الثمار، إن هناك مساقط للرؤوس وأخرى للأفئدة. وهي “وردية” ستؤرخ لهذا المكان الديوانية مسقطا لقلبها وسماء حنت عليها ومنحتها الكثير من القليل الذي تملك. ص31)
تعيش وردية في جميع تفاصيل الرواية وأحداثها غربة الذات الساردة والمغيبة وراء تحول الإحداث، فتصف انتقالها من بغداد الى محافظة الديوانية بخوف وقلق شديدين، يعكس مدى هذا الاغتراب الذي ينتاب جميع الطوائف العراقية بلا استثناء . (ست ساعات وهي تهتز مع اهتزازات العربة … كانت متوترة وخائفة ومحتصرة ، تلتصق بكتف كمالة وتمسح في عباءتها دموع غربة لم تبدء بعد).ص34
فأن أهالي الديوانية يقترنون في ذاكرة وضمير وعقل “وردية” مع أعز الناس لقلبها، زوجها المتوفى وأبنائها الأحياء:
( رفعت وردية رأسها تتأمل الثريات والنقوش الذهبية والرسوم البديعة التي تطرز سقف القاعة “داخل الأليزيه” وتمنت لو كان زوجها المرحوم جرجس معها، يمسك بيدها ويقارعها كأس الكريستال. لو ركبت هند “ابنتها” الطائرة من كندا ورافقتها إلى قصر الأليزيه. لو حضر أبنها براق، لو صعدت ياسمين “أبنتها الأخرى” إلى أعلى برج في دبي ونطت إليها. لو جاء أهالي الديوانية الذين كانت تعرفهم: متصرف اللواء وقائد الفرقة الأولى والعلوية شذرة والمرضع بستانة وغسان الفلسطيني والدكتور شكري فرنجية والست لويس والجدة نانا وأم يعقوب. لو وقفوا كلهم معها ظهرا وسندا. ص16-17).
في العراق كانت وردية أسم علم مشهور لا تحتاج إلى آل التعريف أو آل الدلالة. في العراق حتى شرطة المرور يعرفونها.
(يتعمدون أن يؤشروا لها بالتوقف، لكي يسلموا عليها ويتشاقوا معها. ص20). وعندما انتقلت من الديوانية لبغداد للعمل هناك كان يكفي أن ( يقف سائق سيارة الأجرة في كراج الديوانية ويصيح (دختورة وردية … بعد ثلث ركاب ونقبط … دختورة وردية ص22).
حتى يعرف أهالي الديوانية إلى أين هم ذاهبون، تماما مثلما يكفي أن ينادي سائق سيارة أجرة في كراج أي مدينة عراقية (بغداد… بغداد) فلا يحتاج الركاب أن يسألوه عن المدينة التي ينادي عليها.
الحدث الاعمق والبارز في رواية طشاري يعتمل على عمق وروح المواطنة العراقية وشيوع التسامح والشمائل إلانسانية، فضلاً عن الارتباط العضوي بالأخر المختلف من مواطنيها العراقيين غير المسيحيين، كانت قد أكتملت في العراق. من فصوص (ياقوت) عمرها، مثلا، هي (العلوية شذرة) من أهالي الديوانية التي ما تزال محفورة في ذاكرتها رغم مرور عقود من السنين، مثلما تظل محفورة في ذاكرة العراقية المسيحية (وردية) فصوص أخرى من (ياقوت) عمرها كالطقوس والمعتقدات وأسماء الأولياء والأئمة: الإمام ( العباس أبو راس الحار ليس غريبا عليها (وردية). ولا باقي الأئمة والأولياء الذين يتبرك بهم الأهالي ويلهجون بذكرهم. من يجرؤ على أن ينقض قسما بالعباس ..؟
أسماء تتردد في تضرعات الحوامل عندما تحين تلك الساعة التي ما مثلها ساعة. يأتيهن المخاض ويشعل الطلق مجسات أعصابهن. يستنجدن بحيدر نصير لهن على الوجع الذي يفلق أسفل الظهر. يقعن دخيلات على الحمزة الذي يرقد عندهم في الديوانية. ينذرن أن يوزعن خبز العباس بعد انقضاء الشدة ص73).
الثيمـة : في رواية طشاري
ان الثيمة المركزية داخل الرواية، فأن المؤلفة عمدت، من الناحية التقنية، أن تبني الشخصية المحورية (وردية) بطريقة مغايرة عن أبطال روايات (عصفور من الشرق) و ( الحي اللاتيني) و (موسم الهجرة إلى الشمال). أبطال هذه الروايات ذهبوا للغرب وهم في مقتبل العمر بينما ذهبت إليه (وردية) في خريف العمر (في الثمانين من عمرها). (وردية) ذهبت للغرب وقد أنضجتها التجارب والأحداث، تجاربها وأحداث حياتها الخاصة، والتجارب والأحداث العامة التي عاشها بلدها العراق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى