الكاظمي يلتف على المتظاهرين من وراء “الجبل” ويرش الملح على “جرحهم الغائر”

المراقب العراقي/ المحرر السياسي…
بغتة ودون مقدمات، تحول الخطاب “الثوري” الذي كانت تصدح به حناجر تدّعي الوطنية إِبّان تظاهرات تشرين الأول 2019، إلى عبارات “رومانسية” بعدما تسنم مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة، ومنحهم مناصب وامتيازات لم يكونوا ليحلموا بها يوماً.
فعمليات الحرق والتدمير والقتل التي كانت تمارس علناً ويتم وصفها بـ”التصعيد السلمي”، أصبحت الآن “منبوذة”، وتحوّلت الأشعار والأغنيات التي كانوا يطربون بها آذان أصحاب عربات “التكتك”، إلى سياط يجلدون بها كل متظاهر خرج مستهدفاً حكومة “صديقهم” الكاظمي، بحسب مراقبين.
وشهدت بغداد ومحافظات وسط وجنوب العراق عام 2019، تظاهرات عارمة، حظيت بدعم وتأييد أميركي منقطع النظير، إلا أن “الأدوات” التي أشعلت الشارع حينها كانت “عراقية”. وعلى الرغم من العنف المفرط والاعتداءات على سيادة الدولة التي رافقت تلك التظاهرات، وأسفرت عن سقوط العديد من الضحايا في صفوف المحتجين والقوات الأمنية على حد سواء، كانت تلك “الأدوات” تعمل على “تجريم” كل من يعترض على العنف، حتى وإن كان بنية صادقة وعفوية، وفقاً لما تحدث به متظاهرون لـ”المراقب العراقي”.
ورفع الكاظمي فور توليه رئاسة الوزراء، شعار “الثأر لدماء المتظاهرين”، ومحاسبة “قتلتهم”، لكنه حتى الآن ورغم مرور أشهر عدة على وجوده في أعلى هرم السلطة، لم يجرؤ على إعلان اسم “قاتل” واحد. حيث يقول متظاهر بدت عليه آثار إصابة بليغة تعرض لها خلال التظاهرات الحالية، إن “الحلقة المقربة من الكاظمي تحاول تجميل صورته وإخفاء الحقائق المرّة”.
ويضيف المتظاهر الذي طلب عدم البوح باسمه، أن “المستشارين المقربين من الكاظمي كانوا يحرضون على القتل والتصعيد ودفعوا المتظاهرين إلى حتفهم، لكنهم اليوم وبعدما حصلوا على مرادهم من مزاد المناصب، بدوا صامتين إزاء القمع الذي نتعرض له”.
ولم تشهد مواقع التواصل الاجتماعي هذه المرّة، حملات مناهضة لـ”القمع الحكومي” للمتظاهرين، كما حدث في تظاهرات 2019 التي أرغمت رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، على تقديم استقالته، بل على العكس من ذلك، فقد عجّت صفحات الناشطين في الفضاء الإلكتروني بتدوينات تندد بـ”المندسين” وما وصفوه بـ”العصابات المنفلتة” التي تنشط داخل ساحات التظاهر، الأمر الذي ولّد حالة غضب بين العراقيين.
وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي حسين الكناني لـ”المراقب العراقي”، إن “تغير المواقف يعود لأن الكثير من الناشطين ومنسقي التظاهرات تلقوا الأوامر بضرورة تخفيف انتقاد الحكومة”، لافتاً إلى أن “هناك أشخاصا تم تعيينهم ضمن الماكنة الإعلامية لرئيس الوزراء وأخذوا ينتقدون المتظاهرين وهذا سبب خلافاً بين المحتجين”.
ويضيف الكناني أن “قادة التظاهر حصلوا على الكثير من الامتيازات في حكومة الكاظمي، ولن يسمحوا بانتقادها”، معتبرا في الوقت ذاته أن “التظاهرات فقدت فاعليتها وبدأت بالانحسار”.
ويرى أن “حكومة الكاظمي تستفيد من التظاهرات وتحاول أن تديرها من أجل الضغط على الكتل والأحزاب وإضعافها، لأن هناك انتخابات على الأبواب”، مبيناً أن “الكاظمي يحاول الاستفادة من حالة الرفض لهذه الأحزاب في ساحة التظاهر”.
وتجددت التظاهرات في بغداد، يوم الأحد الموافق 25 تشرين الأول 2020، إحياءً للذكرى السنوية الأولى للاحتجاجات العارمة، التي اجتاحت مدناً عراقية عدّة، وولدت إرباكاً سياسياً وأمنياً واجتماعياً كبيراً في البلاد، حسبما يرى البعض، فيما يعتبر آخرون أنها حققت مكاسب تمثلت بـ”تصحيح طفيف” للواقع السياسي.
ونشرت “المراقب العراقي”، سلسلة تقارير تحدثت فيها عن “خلافات” بين الناشطين أدت لشطر ساحة الاحتجاج إلى اثنتين، الأولى في ساحة التحرير، والأخرى عند بوابة المنطقة الخضراء في منطقة العلاوي، وهو أمر أدى إلى تقطيع أوصال بغداد، كما كشفت عن مواقع الجهات المنفلتة التي تستهدف القوات الأمنية بالقنابل اليدوية والحارقة.
وحوّل الكاظمي، القوات الأمنية، إلى “طُعم” سائغ أمام العصابات المنفلتة التي تنشط في ساحة التحرير ومحيطها، بعد إصداره قراراً بسحب سلاح المنتسبين.
وفي مؤتمر صحفي عقده مساء الإثنين، قال المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة اللواء يحيى رسول، إن “المئات من قنابل المولوتوف ترمى باتجاه القوات الأمنية، والعشرات من المنتسبين تعرضوا للإصابات بسبب رمي تلك قنابل”.
وأكد رسول أن “القوات الأمنية ملتزمة بالحفاظ على أرواح المواطنين”، داعياً المتظاهرين إلى “التعاون مع القوات الأمنية”.
وأشار المتحدث باسم الكاظمي إلى أنه “لا يوجد أي سلاح ناري لدى القوات المكلفة بحماية المتظاهرين”.
من جانبه، قال مدير إعلام وزارة الداخلية اللواء سعد معن، خلال المؤتمر ذاته، إن “قواتنا الأمنية منضبطة وتعاملت بحكمة مع المتظاهرين”، مبيناً أنه تم “القبض على 141 متهماً من المتجاوزين على القوات”، إضافة إلى “مجموعة اعتدت على الملاكات الطبية”.



